عن قتادة {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} الباطل: إبليس لا يستطيع أن ينقص منه حقا، ولا يزيد فيه باطلًا.
الثاني: أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعده أيضًا ما يبطله.
الثالث: النسخ ليس باطلًا، إذ هو حق وذلك أن الله أضافه إلى نفسه في قوله {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] ، ولا ينسب الله إلى نفسه باطلا، والباطل يضاد الحق فوجب حمل الباطل على غير النسخ.
الوجه الثاني: أن معنى الباطل في الآية ما خالف الحق، والنسخ حق.
ومعنى الآية أن عقائد القرآن موافقة للعقل وأحكامه، مسايرة للحكمة وأخباره، مطابقة للواقع، ألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل، ولا يمكن أن يتطرق إلى ساحته الخطأ بأي حال قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وقال تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الإسراء: 105] ، ولعلك تدرك معي أن تفسير الآية بهذا المعنى يجعلها أقرب إلى إثبات النسخ ووقوعه منها إلى نفيه وامتناعه؛ لأن النسخ كما قررنا تصرفٌ إلهيٌ حكيم تقتضيه الحكمة وترتبط به المصلحة.
الوجه الثالث: الآية تدل على نوع خاص من النسخ.
لو كان معنى الباطل في الآية هو متروك العمل به مع بقاء قرآنيته؛ لكان دليله قاصرًا عن مدعاه؛ لأن الآية لا تفيد حينئذ إلا امتناع نوع خاص من النسخ وهو نسخ الحكم دون التلاوة، فإنه وحده هو الذي يترتب عليه وجود متروك العمل في القرآن، أما نسخ التلاوة مع الحكم أو مع بقائه فلا تدل الآية على امتناعه بهذا التأويل.
الوجه الرابع: إنكار وتشديد القول من أهل العلم على من قال بهذا القول (3) ، مما يدل على بطلان قوله.