قال الخطيب البغدادي: ولا يحوز نسخ القياس؛ لأن القياس تابع للأصول، والأصول ثابتة فلا يجوز نسخ تابعها.
المبحث الحادي عشر: الفرق بين النسخ والبداء
أولًا: تعريف البداء.
البَداء: بفتح الباء يطلق في لغة العرب على معنيين متقاربين:
أحدهما: الظهور بعد الخفاء، ومنه قوله الله تعالى {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] وقال تعالى {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) } [الجاثية: 33] ومنه قولهم: بدا لنا سور المدينة.
والآخر: نشأة رأي جديد لم يك موجودًا، قال في القاموس: وبَدَا له في الأمرِ بَدْوًا وبَدَاءٌ وبداةً: نَشَأَ له فيه رَأْيٌ. ومنه قول الله تعالى {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) } [يوسف: 35] أي نشأ لهم في يوسف رأي جديد هو أن يسجن سجنًا وقتيًا بدليل قوله: ليسجننه حتى حين.
ثانيًا: الفرق بين النسخ والبداء.
قال ابن الجوزي: فأما الفرق بين النسخ والبداء فذلك من وجهين:
الأول: أن النسخ تغيير عبادة أُمر بها المكلف وقد علم الآمر حين الأمر أن لتكليف المكلف بها غاية ينتهي الإيجاب إليها ثم يرتفع بنسخها.
والبداء أن ينتقل الأمر عن ما أمر به وأراده دائما بأمر حادث لا بعلم سابق.
والثاني: أن سبب النسخ لا يوجب إفساد الموجب لصحة الخطاب الأول.
والبداء يكون سببه دالًا على إفساد الموجب لصحة الأمر الأول مثل أن يأمره بعمل يقصد به مطلوبا، فيتبين أن المطلوب لا يحصل بذلك الفعل، فيبدو له ما يوجب الرجوع عنه، وكلا الأمرين يدلى على قصور في العلم، والحقُّ عز وجل منزه عن ذلك.