قال الشوكاني: ولا يخفاك أن السنة شرع من الله - عز وجل - كما أن الكتاب شرع منه سبحانه، وقد قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وأمر سبحانه باتباع رسوله في غير موضع في القرآن فهذا بمجرده يدل على أن السنة الثابتة عنه ثبوتًا على حد ثبوت الكتاب العزيز حكمها حكم القرآن في النسخ وغيره، وليس في العقل ما يمنع من ذلك ولا في الشرع.
المسألة الثانية: نسخ السنة بالقرآن.
ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه يجوز نسخ السنة بالقرآن.
وذهب الإمام الشافعي في رواية إلى أن السنة لا تنسخ بالقرآن، حيث قال في باب ابتداء الناسخ والمنسوخ: (لا يَنْسخ كتابَ الله إلا كتابُه كما كان المبتدئ لفرضه فهو المُزيلُ المثبت لِما شاء منه جل ثناؤه ولا يكون ذلك لأحد من خلقه) .
وبهذا الكلام أخذ من نقل عن الشافعي أن السنة لا تنسخ بالكتاب.
والراجح هو القول الأول.
المسألة الثالثة: نسخ المتواتر (قرآن وسنة) بالآحاد:
ذهب الجمهور من الأصوليين إلى أنه لا يجوز شرعا نسخ المتواتر بالآحاد.
وذهب البعض إلى أنه يجوز نسخ المتواتر بالآحاد.
قال الشوكاني: ومما يرشدك إلى جواز النسخ بما صح من الآحاد لما هو أقوى متنًا أو دلالةً منها: أن الناسخ في الحقيقة إنما رافعًا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه وذلك ظني، وإن كان دليله قطعيًا فالمنسوخ إنما هو هذا الظني لا ذلك القطعي فتأمل هذا.
المبحث العاشر: النسخ بالإجماع والقياس
أولًا: النسخ بالإجماع
قال الخطيب البغدادي: ولا يجوز نسخ إجماع المسلمين؛ لأن الإجماع لا يكون إلا بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والنسخ لا يجوز بعد موته.
وإذا وجد في كلام العلماء أن الإجماع نسخ نصًا، فالمراد بالإجماع الناسخ النص الذي استند إليه الإجماع لا نفس الإجماع، فيكون من قبيل نسخ النص بنص مثله.
قال ابن قدامة: فإن قيل: فيجوز أن يكونوا ظفروا بنصٍ كان خفيًا هو أقوى من النص الأول أو ناسخ له. قلنا: فيضاف النسخ إلى النص الذي أجمعوا عليه لا إلى الإجماع.
ثانيًا: النسخ بالقياس