لا يمكنه أن يغلب العشرة إلا بعد أن جرب ذلك , ولما تحقق أبطل هذا الحكم وأبدله
بالآخر!، وجوابهم عن هذه المسألة ركيك.
واعلم أن المعنى الصحيح هو أن الآية الأولى وعد من الله لهم بنصر الواحد
على العشرة , ولما كان هذا الوعد يتضمن الأمر بالثبات أمام العدو ولو بلغ عدده
عشرة أمثالهم فكأن واحدًا منهم شق عليه ذلك فسأل: هل نمتثل هذا الأمر الآن؟
فأجاب تعالى على سبيل الاستئناف البياني: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ} (الأنفال:
66). أي لم يرد الآن أن يوجب عليكم امتثاله ثم قال: { ... وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} (الأنفال: 66) وهذا كالتعليل لعدم إيجاب الثبات المذكور في الوقت الحاضر
لعلمه أنكم ضعفاء لا تقوون عليه , ثم أمرهم بالثبات أمام مثلَيْهم فقط موقتًا إلى أن
يقووا، فكأنه قال: يعدكم الله بالنصر على عدوكم الآن وإن كان مثلكم مرتين
ويعدكم بالنصر في الاستقبال ولو كان عدده عشرة أمثالكم , وإنما قدم الوعد الأخير
على الأول؛ لأنه أبلغ في الحض على القتال فأتى به بعد قوله: حَرِّضِ
الْمُؤْمِنِين (الأنفال: 65) وقدم لفظ] الآن [للدلالة على القصر فكأنه قال:
(الآن فقط) يتساهل معكم ولا يوجب هذا الأمر الشاق عليكم , ولكنه في المستقبل
يحتم عليكم الاستماتة في القتال.
(الرابعة) قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ
يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ
أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المجادلة: 12 - 13) .
والمعنى أن الله ندبهم إلى تقديم الصدقات للفقراء قبل مناجاة الرسول في شأن
من شئونهم والدليل على أن ذلك ندب قوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} (المجادلة:
12)وكذا ما سيأتي بعد ثم قال: {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المجادلة: