السلام باجتهاده أم بأمر من الله تعالى غير القرآن فإن الوحي غير محصور في
القرآن؛ فقد قال الله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} (النجم: 10) : أي
في ليلة المعراج ولا ندري جميع ما أوحاه الله إليه في تلك الليلة سوى ما بلغنا إياه
من أمر فرض الصلوات الخمس , وأيضًا فقد يوحى إليه بشيء في منامه كرؤياه
دخول المسجد الحرام المذكورة في قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا
بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (الفتح: 27) الآية، فقد كانت هذه الرؤيا وحيًا
إليه قبل أن ينزل فيها القرآن وهى تشبه رؤيا إبراهيم أن يذبح ابنه فقد كانت وحيًا
له أيضًا في منامه؛ إذ ليس كل وحي قرآنًا، وإنما القرآن ما يمكن تشبيهه بما
يسمى عندنا الآن بالأوامر الرسمية التحريرية وغيره بالشفهية غير الرسمية، وبناءً
على ذلك لم يحصل في القرآن نسخ في هذه المسألة مطلقًا.
(الثالثة) قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن
مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ
صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال: 65 - 66) .
قال أهل النسخ: إن الآية الثانية ناسخة للأولى , وفاتهم أن ذلك يوجب القول
بأن الحكمين الواردين في سياق واحد متناقضان ولا مخلص لهما من ذلك بدعوى
أنهما نزلا في وقتين مختلفين؛ لأن القرآن لم يقل ذلك ولم يفصل بينهما وأيضًا يلزم
على قولهم أن المسلمين في أول أمرهم كانوا أقوياء جدًّا حتى إن الواحد منهم يغلب
عشرة , ولما كثروا وانتصروا مرات عديدة ضعفوا وصار الواحد منهم باثنين فقط
فواعجبًا ما هذا القلب؟. ويلزم أيضًا أن الله على قولهم لم يكن يعلم أن الواحد منهم