سبيل الإنسان إلى الخير، ومن قال: النفع هو اللذة، فإنما اللذة بعض النفع، فقد يكون الشر نافعة، ولا يكون لذيذاً،
إن قيل: كيف قال: {مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} وما يضر يعلم أنه لا
ينفع؟ قيل: إن ذلك من وجه ووجه، فقد يكون الشيء نافعة من وجه وضاراً من وجه، وتعلم السحر كان
نفعاً لو احترزوا بمعرفته عمن يغوى، فلم ينتفعوا به من هذا الوجه واستضروا به لاستعمالهم إياه فِي غير الحق ولقد علموا أن من استبدل ما جاءت به الشياطين من السحر بالحق أن لاحظ له فِي الآخرة.
قوله - عز وجل:
{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} الآية (102) سورة البقرة.
ويصح أن يكون معطوفاً على المعلوم، وهو قوله: {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} ويصح أن يكون استئنافا حكماً به، وجواب قوله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} محذوف.
إن قيل: كيف أثبت لهم العلم فِي أول الكلام ونفى عنهم فِي أخره؟ فالجواب فِي ذلك من أوجه ..
الأول: أن العلم المثبت لهم هو العقل الغريزي، وما جعله لهم بصيغته، والمنفي عنهم هو المكتسب الذي هو من جملة التكليف، والثاني: أن المثبت لهم هو العلم بالجملة، والمنفي عنهم هو العلم بالتفصيل، فقد يعلم الإنسان مثلاً قبح الشيء ثم لا يعلم أن فعله قبيح، فكأنهم علموا أن شرى النفس بالسحر مذموم، لكن لم يتفكروا فِي أن ما يفعلونه هو من حملة ذلك القبيح، والثالث: أنهم علموا عقاب الله، لكن لم يعلموا حقيقة عقابه وشدته، والرابع: أن معنى قول {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} يعملون به، لأن من لا
يعمل بما يعلم فهو فِي حكم من لا يعلم. انتهى انتهى. {تفسير الراغب الأصفهاني حـ 1 صـ 273 - 280} .