فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن يذل حلفاؤنا فذمهم الله تعالى على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، ولعلهم صرحوا باعتقاد عدم وجوبه فلهذا سماه كفراً، وقد تكون المناقضة أدخل فِي الذم وفي ذلك تنبيه على أنهم فِي تصديقهم بنبوة موسى مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم والحجة فِي أمرهما على سواء، يجرون مجرى طريقة السلف منهم فِي الإيمان ببعض والكفر ببعض وكل فِي الميثاق سواء. الخزي الذل والهوان خزي بالكسر يخزي خزياً أي ذل وهان، وخزي أيضاً يخزى خزاية أي استحيا فهو خزيان. فإذا قيل: أخزاه الله. فالمراد أهانه أو أوقعه موقعاً يستحيي منه وتنكير"خزي"يدل على فظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغاً لا يكتنه كنهه، والأظهر أنه غير مختص ببعض الوجوه.
وقيل: هو قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير، وقيل: الجزية، وعلى هذين القولين يختص الخزي بمن فِي عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وبمن يخلفهم دون أسلافهم، فإن قيل: عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد، فكيف يقال فِي حق اليهود يردون إلى أشد العذاب؟ قلنا: إما لأن كفر العناد أغلظ، وإما لأن المراد أشد من الخزي لا الأشد مطلقاً. وفي قوله: {وما الله بغافل} وعيد شديد للعاصين وبشارة عظيمة للمطيعين، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة تدل على وصول الحقوق إلى مستحقها لا محالة. {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} استبدلوها بها {فلا يخفف عنهم العذاب} لا ينقطع ولا يفتر بل يدوم على حالة واحدة {ولا هم ينصرون} بدفع هذا العذاب عنهم. وفيه تنبيه على أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا إذا كانت على وفق الهوى لا الشرع، وبين لذات الآخرة ممتنع يستتبع وجود إحداهما عدم الأخرى والله ولي التوفيق. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 1 صـ 322 - 328}