أولًا: تعريف النسخ في اصطلاح المتقدمين.
لم يكن النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم - على وجه التقريب - مميزًا عن غيره من أساليب البيان، فقد كانوا يطلقون النسخ على تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتفصيل المجمل، وإيضاح المبهم، ونحو ذلك كما كانوا يطلقونه على النسخ بمعناه المعروف عند الأصوليين، بعد تحديد المصطلحات العلمية، ولقد سجل العلماء ذلك:
قال ابن تيمية: والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف العام كل ظاهر تُرك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق.
وقال أيضًا: إن لفظ النسخ مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك.
قال ابن القيم: ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة؛ إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ؛ بل بأمر خارج عنه ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر.
قال الشاطبي: وذلك أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخًا كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخًا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرًا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به.