بإحدى المبسحات فأنسيتها ، غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة فِي أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) وهل يكون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان لغيره أو لا ؟ فيه خلاف ، والذاهبون إلى الأول استدلوا بقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى إِلاَّ مَا شَاء الله} [الأعلى: 6 ، 7] وهو مذهب الحسن ، واستدل الذاهبون إلى الثاني بقوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الأسراء: 68] فإنه يدل على أنه لا يشاء أن يذهب بما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم وهذا قول الزجاج وليس بالقوي لجواز حمل (الذي) على ما لا يجوز عليه ذلك من أنواع الوحي ، وقال أبو علي: المراد لم نذهب بالجميع ، وعلى التقديرين لا ينافي الاستثناء ، وسبحان من لا ينسى ، وفسر بعضهم النسخ بإزالة الحكم سواء ثبت اللفظ أو لا والإنساء بإزالة اللفظ ثبت حكمه أو لا ، وفسر بعض آخر الأول: بالإذهاب إلى بدل للحكم السابق والثاني: بالإذهاب لا إلى بدل ، وأورد على كلا الوجهين أن تخصيص النسخ بهذا المعنى مخالف للغة والاصطلاح ، وأن الإنساء حقيقة فِي الإذهاب عن القلوب ، والحمل على المجاز بدون تعذر الحقيقة تعسف ، ولعل ما يتمسك به لصحة هذين التفسيرين من الرواية عن بعض الأكابر لم يثبت ، و (ما) شرطية جازمة ل (ننسخ) منتصبة به على المفعولية ، ولا تنافي بين كونها عاملة ومعمولة لاختلاف الجهة ، فبتضمنها الشرط عاملة ، وبكونها اسماً معمولة ويقدر لنفسها جازم وإلا لزم توارد العاملين على معمول واحد ، وتدل على جواز وقوع ما بعدها ، إذ الأصل فيها أن تدخل على الأمور المحتملة ، واتفقت أهل الشرائع على جواز النسخ ووقوعه ؛ وخالفت اليهود غير العيسوية فِي جوازه وقالوا: يمتنع عقلاً ، وأبو مسلم الأصفهاني فِي وقوعه فقال: إنه وإن جاز عقلاً لكنه لم يقع وتحقيق ذلك فِي الأصول ، و مّنْ