وأَمَّا بعد ما استأْثر اللهُ به (صَلَّى الله عليه وسلَّم) فقد صار القرآن والسنة محروسين من النَّسْخ ، والتغيير ، بدليل قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
وأَمَّا حَد النسخ (من حيث المعنَى) فهو رفْع حكم ثابت من قولهم: نسخَت الرِّياحُ الأَثَر إِذا دَرَسَتْه.
وقيل"النسخ"قَصْر حُكم على لفظ يختصُّ بأَهل زمان خاصّ ؛ كما أَنَّ التخصيص
قصر حكم لفظ على بعض الأَشخاص.
وقيل"النَّسخ"التَّحويل ، والأَجود أَن يقال"النسخ"بيان نهاية تعبُّد بأَمر ، أَو نهى مجدَّد ، فِي حكم خاصّ ، بنقله إِلى حكم آخر.
وللنَّاسخ والمنسوخ خمسة شروط: أَحدها أَن يكون كلٌّ منهما شرعيًّا.
الثَّانى أَن يكون النَّاسخ متأَخِّراً عن المنسوخ.
الثالث أَن يكون الأَمر بالمنسوخ مطلقاً غير مقيَّدٍ بغاية.
والرَّابع أَن يكون النَّاسخ كالمنسوخ فِي إِيجاب العلم والعمل.
الخامس أَن يكون النَّاسخ والمنسوخ منصوصين بدليل خطاب (أَو بمفهوم خطاب) .
وأَمَّا حقيقة النسخ لغة فقد جاءَ بمعنيين:
أَحدهما النقل ، كما يقال للكتابة نَسْخ.
قال تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وعلى هذا يكون جميع القرآن منسوخاً ، بمعنى أَنه مكتوب نُقِل من اللَّوح المحفوظ إِلى صُحف مرفوعة مطهَّرة ، بأَيدى سفرة كرام بررة ، ولمَّا نزل من السَّماءِ بواسطة الوحي كتبه الصَّحابة ، ونسخوخ فِي صُحُفهم ، ثمَّ لما يزل يُنْسَخ ، وينقل إِلى يوم القيامة.
والقول الثاني أَن يكون لغة بمعنى الرفع والإِزالة.
يقال: نسخت الشَّمسُ الظلّ إِذا أَبطلته ، ونسخت الريحُ الأَثر إِذا أَذهبته.
وعلى هذا قيل لرفع حكم بحكم آخر: نَسْخ ، لأَنه إِبطال حكم ، وإِثبات حكم مكانه ، كالشَّمس مكان الظِّل.
وأَمَّا الحكمة فِي النسخ فذكروا فيها وجوهاً.