وأنتم أيها المؤمنون الذين عرفتم شأن اليهود مع أنبيائهم كونوا على حذر، فما يود أهل الكتاب ومشركو العرب أن ينزل عليكم خير من ربكم كالقرآن والرسالة، والكتاب الكريم أعظم الخيرات، فهو الهداية العظمى، وبه جمع الله شملكم ووحد صفوفكم، وطهر عقولكم من زيغ الوثنية، وأقامكم على سنن الفطرة، وهم يودون نزول الشر بكم وانتهاء أمركم وزوال دينكم.
وحسد الحاسد لا يمنع نعم الله، والله العليم القدير الحكيم يختص بالنبوة والرحمة والخير من يشاء من عباده: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام 6/ 124] ويعلم من يؤدي واجبه بشأنها خير أداء، فلا ينبغي لأحد أن يحسد أحدا على خير أصابه، وفضل أوتيه من عند ربه، فالله وحده صاحب الفضل العظيم.
فقه الحياة أو الأحكام:
هاتان الآيتان تذكران شيئا من جهالات اليهود وقبائحهم، كما سبق، والمقصود نهي المسلمين عن مثل أفعال اليهود، وترسيخ عقيدتهم بأن مصدر الخير والرحمة واختيار من هو أهل للنبوة والرسالة هو الله تعالى، فلا يصح لأحد أن يحسد أحدا على ما آتاه الله من فضله، وبدئت الآية الأولى بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهو أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة، من ثمانية وثمانين موضعا من القرآن ذكر فيها هذا الخطاب الدال على إقبال الله على المؤمنين، وتذكيرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله ونواهيه بأتم طاعة وأحسن امتثال.
وموضوع هذا الأدب الجميل: هو أن يتجنب المؤمن في مخاطبة النبي صلّى الله عليه وسلّم ما قد يوهم الانتقاص أو الاستهزاء، ومنعا من استغلال الأعداء استعمال لفظة أو غيرها، وقد كان اليهود يعنون بكلمة راعِنا السب والشتم، ويخاطبون بها النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويضحكون فيما بينهم، فقال لهم سعد بن معاذ، وكان يعرف لغتهم: عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله، لأضربنّ عنقه.