وروى من قال إنهما ملكان أن الملائكة مقتت حكام بني إسرائيل وزعمت أنها لو كانت بمثابتهم من البعد عن الله لأطاعت حق الطاعة ، فقال الله لهم: اختاروا ملكين يحكمان بين الناس ، فاختاروا هاروت وماروت ، فكانا يحكمان ، فاختصمت إليهما امرأة ففتنا بها فراوداها ، فأبت حتى يشربا الخمر ويقتلا ، ففعلا ، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها إياه ، فتكلمت به فعرجت ، فمسخت كوكباً فهي الزهرة ، وكان ابن عمر يلعنها.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا كله ضعيف وبعيد ابن عمر رضي الله عنهما ، وروي أن الزهرة نزلت إليهما فِي صورة امرأة من فارس فجرى لهما ما ذكر ، فأطلع الله عز وجل الملائكة على ما كان من هاروت وماروت ، فتعجبوا ، وبقيا فِي الأرض لأنهما خُيِّرا بين عذاب الآخرة وعذاب الدنيا فاختارا عذاب الدنيا ، فهما فِي سرب من الأرض معلقين يصفقان بأجنحتهما ، وروت طائفة أنهما يعلمان السحر فِي موضعهما ذلك ، وأخذ عليهما أن لا يعلما أحداً حتى يقولا له: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} .
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا القصص يزيد فِي بعض الروايات وينقص فِي بعض ، ولا يقطع منه بشيء ، فلذلك اختصرته.
ذكر ابن الأعرابي فِي الياقوتة أن {يعلمان} بمعنى يعلمان ويشعران كما قال كعب بن زهير [الطويل] .
تَعَلَّمْ رسولَ اللَّهِ أنَّك مدركي... وأنّ وعيداً منك كالأخذِ باليدِ
وحمل هذه الآية على أن الملكين إنما نزلا يعلمان الناس بالسحر وينهيان عنه ، وقال الجمهور: بل التعليم على عرفه ، و"لا تكفر"قالت فرقة: بتعلم السحر ، وقالت فرقة: باستعماله ، وحكى المهدوي أن قولهما: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} استهزاء ، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله ، و {من} فِي قوله {من أحد} زائدة بعد النفي.