والشر إذا واجبة كوجوب معرفة الصدق والخير ، بل لا يتم معرفة أحدهما إلا بالآخر كما قد تبين أن المعرفة بالمتضادين واحد ، وإن كان معرفتهما لازمة ، فتعريفهما واجب ، وإنما المستقبح تعاطي الكذب والقبيح ، فإذا كان كذلك فلا ضير أن يبعث الله تعالى من قبله فِي وقت يكثر فيه الاستغواء بالسحر هن ينبه على وجه احتياله ، فتزول عن الناس الشبهة ، ثم إن استعان شرير به على تعاطي شر ، فهو كالاستعانة بتعلم الفقه وتعاطي العبادات لاستغواء الناس ، فما من شي من المعادن أو من المعارف والعلوم نسخ فِي هذه الدار مصلح لخير إلا ويمكن استعماله فِي شر ، ومن لم يتمسك فيما يتحراه بالطاعة وقع فِي المعصية أو الكفر ، وأما هاروت وماروت فالظاهر أنهما.كانا الملكين ، وقيل: كانا رجلين سُميَا ملكين اعتباراً بصلاحهما ولهذا قرأ بعض القراء {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} اعتباراً بملكهما ، وقال بعض المفسرين إن الملكين ليسا بهاروت وماروت ، وإنما هما شيطانان من الجن والإنس وجعلهما نصباً فِي اللفظ بدلاً من الشياطين بدل البعض من الكل كقولك: القوم قالوا كذا زيد وعمرو ، قال: ويكون قولهما: (وإنما نحن فتنة) كقول الخليع لغيره: لا تعيرني فإني خليع فاسق ، ويكون قوله: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} نفقاً اعتراضاً بين البدل والمبدل منه ، وروى بعض من جعلهما ملكين أنهما كانا صيُراً على صورة الآدميين وركب منهما الشهوة ، وأنهما تعرضا لامرأة يقال لها زهرة فحملتهما على شرب الخمر وارتكاب المحظور ثم صعدت إلى السماء ، فقد استسخف جماعة الجدليين قائل هذا الحديث وعدوه خرافة ينره العاقل سمعه عن سماعه ، وذكر بعض الناس أن ذلك رمز منقول عن