قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِنَبْذِ الْكِتَابِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ أَنَّهُمْ طَرَحُوهُ بِرُمَّتِهِ وَتَرَكُوا التَّصْدِيقَ بِهِ فِي جُمْلَتِهِ وَتَفْصِيلِهِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُمْ طَرَحُوا جُزْءًا مِنْهُ وَهُوَ مَا يُبَشِّرُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُبَيِّنُ صِفَاتِهِ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْإِيْمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ ، أَيْ فَهُوَ تَشْبِيهٌ لِتَرْكِهِمْ إِيَّاهُ وَإِنْكَارِهِ بِمَنْ يُلْقِي الشَّيْءَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ حَتَّى لَا يَرَاهُ فَيَتَذَكَّرُهُ . وَتَرْكُ الْجُزْءِ مِنْهُ كَتَرْكِهِ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْبَعْضِ يَذْهَبُ بِحُرْمَةِ الْوَحْيِ مِنَ النَّفْسِ وَيُجَرِّئُ عَلَى تَرْكِ الْبَاقِي (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (5: 32) (وَقَالَ) : وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُبَشَّرٌ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي كِتَابِهِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ . وَلَمْ يَضُرَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْجُحُودُ مِنَ الْفَرِيقِ الْجَاحِدِ ؛ لِأَنَّ دَعْوَتَهُ قَدْ قَبِلَهَا الْآخَرُونَ وَاهْتَدَى بِهَا مَنْ لَا يُحْصَى مِنَ الْأُمَّتَيْنِ وَمِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ ، وَإِنَّمَا يَضُرُّ الْجَاحِدِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا كِتَابَهُمُ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْمُنَجِّي وَالْمُخَلِّصُ لَهُمْ ، وَحُرِمُوا مِنْ هِدَايَةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ ، الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ هِدَايَةٍ أَنْعَمَ