وليس كذلك ؛ لما روته عائشة رضي الله عنها قالت:"كان يوم عاشوراء تصومه قريش فِي الجاهلية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه فِي الجاهلية ؛ فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه ؛ فلما فُرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه"أخرجه البخاريّ ومسلم.
فإن قيل: يحتمل أن تكون قريش إنما صامتة بإخبار اليهود لها لأنهم كانوا يسمعون منهم ؛ لأنهم كانوا عندهم أهل علم ؛ فصامه النبيّ عليه السلام كذلك فِي الجاهلية ، أي بمكة ؛ فلما قدم المدينة ووجد اليهود يصومونه قال:"نحن أحقّ وأولى بموسى منكم"فصامه اتباعا لموسى.
"وأمر بصيامه"أي أوجبه وأكدّ أمره ، حتى كانوا يصومونه الصغار.
قلنا: هذه شبهة من قال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لعلّه كان متعبداً بشريعة موسى ؛ وليس كذلك ، على ما يأتي بيانه فِي"الأنعام"عند قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقتده} [الأنعام: 90] .
مسألة: اختلِف فِي يوم عاشوراء ؛ هل هو التاسع من المحرّم أو العاشر ؟ فذهب الشافعيّ إلى أنه التاسع ؛ لحديث الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس رضي الله عنهما وهو متوَسِّد رداءه فِي زمزم ، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء ؛ فقال: إذا رأيت هلال المحرّم فاعدد وأصْبِحْ يوم التاسع صائماً.
قلت: هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه ؟ قال نعم.
خرّجه مسلم.
وذهب سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وجماعة من السلف إلى أنه العاشر.
وذكر الترمذي حديث الحَكَم ولم يصفه بصحة ولا حسن.
ثم أردفه: أنبأنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن عن ابن عباس قال:"أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر"قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.
قال الترمذيّ: وروى عن ابن عباس أنه قال: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود.
وبهذا الحديث يقول الشافعيّ وأحمد بن حنبل وإسحاق.