أقول: لم يوفقا إلى الصواب في معنى لفظة (صدوق) عند ابن أبي حاتم؛ فإن كانا فَهِما ما ذكراه من قوله (فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه) ومن كونه لم يصرح هنا بأن هذا ممن يحتج به كما صرح في المرتبة الاولى، فإن هذا الفهم فيه نظر من وجوه:
الأول: أنه يَرِد عليه ان ابن أبي حاتم لم يذكر مرتبة وسطى بين مرتبتي الثقة والصدوق، فعلى فرض أن معنى الصدوق عنده هو ما ذكراه، فإنه يكون قد أغفل مرتبة الحديث الحسن، وهذا لا يصح لأن السياق يأباه، أو يكون قد أدرجها في مرتبة الصحيح وجعلها قسمًا منها لا قسيمًا لها، وهذا خلاف الظاهر الذي عليه الجمهور، ثم إنه لا دليل عليه وعبارته تأباه أيضًا، أو يكون قد اختار للتعبير عن صاحب تلك المرتبة لفظة (لا بأس به) أو لفظة (محله الصدق) دون لفظة (صدوق) ؛ وهذا غير صحيح كسابقيه لأنه قد ساوى بين هذه الالفاظ الثلاث، فهي إن لم تكن متساوية في معناها عنده فإنه لن يكون بينها عنده من الفروق ما يجعلها متباينة في مراتبها، بل لا بد أن تكون على الأقل متقاربة في معانيها مشتركة في مرتبتها وحكمها.
الثاني: أنه يبعد أن يخالف ابن أبي حاتم أباه (1) وأبا زرعة وسائر شيوخه وشيوخهما وجمهور المحدثين في معنى هذا المصطلح، ولا سيما أنه لم يبين ذلك ولا صرح به مع شدة الحاجة إلى البيان والتصريح، إذ أنه - كما هو معروف - جمع كتابًا في الجرح والتعديل عظيمًا أحصى فيه ما وقف عليه من أقوال أئمة الجرح والتعديل في الرواة، وقد تكررت كلمة (صدوق) في عباراتهم مئات المرات وهو في أكثر ذلك مقرٌّ لها غير مستدرك عليهم فيها، واستعملها هو أيضًا قولًا له في مرات كثيرة جدًا بطريقة تشعر بأن معناها عنده هو معناها عندهم بعينه .
(1) وهذا هو الذي أشرت إليه بأنه يشبه التناقض ، إذ كيف يكون معنى صدوق عند أبي حاتم فوق معنى الجمهور بكثير ومعناها عند ابنه وتلميذه وخريجه دون معنى الجمهور بكثير؟!