والثالث: المشهور ، وهو عندهم ما انحصر بين العزيز والمتواتر (1) .
هذا تقسيم المتأخرين وهو تقسيم رياضي محض ، يُنظر فيه إلى العدد مجردًا ، وليس كذلك المتقدمون ، فهم يرمون من وراء التقسيمات والتسميات أغراضًا نقدية مهمة ، ويومئون بها إلى معانٍ يريدون تبليغها .
فالغريب عندهم له معنى يختلف بعض الشيء عما ذكر هنا ، وكذلك قسيماه العزيز والمشهور ؛ قال ابن طاهر في مقدمة (أطراف الغرائب والأفراد) (1/52-53) : أخبرنا أبو عمرو عبدالوهاب بن الإمام أبي عبدالله بن منده قال: قال أبي:( وأما الغريب من الحديث: كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يُجمع حديثُهم، إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبًا .
وإذا روى عنهم رجلان وثلاثة واشتركوا في حديث سمي عزيزًا .
وإذا روى الجماعة [عنهم] حديثًا سمي مشهورًا) (2) .
ولكلمة (غريب) عند المتقدمين من المحدثين معنى نقدي خطير ، وأما المتأخرون فليس الأمر عندهم كذلك، فهم يكادون يقصرون معناها على مقصد إحصائي محض مجرد عن أي معنى نقدي؛ فالاشتغال ببيان الغرابة هو عندهم من لطائف الفن ، وليس من أصوله ومهماته (3) !.
(1) تنبيه: تطلق كلمة مشهور على المعنى الذي ذكر هنا ، وتطلق كذلك على ما اشتهر في الكتب المتداولة أو اشتهر على الألسنة؛ انظر (مشهور) و (مشتهر) .
(2) وحكاه أيضًا ابن الصلاح في (المقدمة) (ص243) بصيغة (وروينا عن أبي عبدالله بن منده الحافظ الأصبهاني أنه قال ) ، فذكره ، ومنه أخذت الزيادة المحصورة .
(3) ولكن بعض العلماء من المتأخرين يستعملون أحيانًا كلمة (غريب) للتعبير عن المنكر ، منهم ابن كثير في (تفسير القرآن العظيم) .