ومن تتبع هذا في الأحاديث التي يرويها صحابيان أو أكثر ووقع اختلاف فإنما هو في بعض الألفاظ، وهذا يبين أن الصحابة لم يكونوا إذا حكوا قوله صلى الله عليه وسلم يُهملون ألفاظه البتة، لكن منهم من يحاول أن يؤديها فيقع له تقديم وتأخير أو إبدال الكلمة بمرادفها ونحو ذلك؛ ومع هذا فقد عُرف جماعة من الصحابة كانوا يتحرون ضبط الألفاظ، وتقدم (ص42) قول أبي رية: إن الخلفاء الأربعة وكبار الصحابة وأهل الفتيا لم يكونوا ليرضوا أن يرووا بالمعنى؛ وكان ابن عمر ممن شدد في ذلك، وقد آتاهم الله من جودة الحفظ ما آتاهم؛ وقصة ابن عباس مع عمر بن أبي ربيعة مشهورة ؛ ويأتي في ترجمة أبي هريرة ما ستراه.
فعلى هذا ما كان من أحاديث المشهورين بالتحفظ فهو بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان من حديث غيرهم فالظاهر ذلك، لأنهم كلهم كانوا يتحرون ما أمكنهم، ويبقى النظر في تصرف من بعدهم). واقرأ تتمة كلام المعلمي هناك إلى أواخر (ص87) .
إذا قال مصنف كتابٍ أو غيرُه: (روينا في كتاب فلان كذا من الأخبار) ، فإن كلمة (روينا) الواردة في مثل هذا السياق تُضبط عند الأكثر هكذا (رَوَيْنا) بفتح أوليْها مع تخفيف الواو ، مِن (روى) إذا نقل عن غيره ؛ وقال جمع: الأجود ضم الراء وكسر الواو مشددة فتكون هكذا (رُوِّينا) ، أي روى لنا مشايخنا ، أي نقلوا لنا .
وأما استعمال المحدث لضمير جماعة المتكلمين في هذه الكلمة دون ضمير المتكلم المفرد ، فوجهه أن العرب من عادتها أنها تؤكد فعل الواحد فتجعله بلفظ الجمع ليكون أثبت وأوكد ، وثمَّ احتمال آخر ، وهو التعبير عن حقيقة الواقع ، أي أن ذلك المحدث قد شاركه غيره من أهل بلده أو عصره في تحمل هذا الحديث فيؤْثر هذه الصيغة على غيرها ولا سيما إذا قصد مع ذلك التواضع والتجرد من الدعوى ومن إيهام التفرد بذلك الحديث .