الحديث الحسن له في اصطلاح المحدثين أكثر من معنى ، ولكن معانيه كلها راجعة في أصلها إلى استحسانه ؛ سواء ما كان منها متعلقًا بثبوته ، أو متعلقًا باستحسان سنده ، أو متعلقًا باستحسان متنه.
أما سند الحديث فيستحسن لغرابته وعلوه، والعلو هو أيضًا - عند التدبر - نوع من الإغراب .
وأما استحسان المتن فيكون لاستحسان معناه، أو شدة الحاجة إليه وإلى ما يستنبط منه من مسائل العلم؛ وأحيانًا يكون لبلاغته وحسن ألفاظه .
ثم عُرف لفظ الحسن عند المتأخرين بمعناه الاحتجاجي المعروف؛ وفيما يلي شرحُه.
الحديث إما أن يجزم الناقد - أو يكاد يجزم - بمطابقته للواقع ، وهو الصحيح ؛ أو بضد ذلك وهو الموضوع ؛ أو يتوسط بين الجزمين ، وهو الضعيف ؛ وما بين الصحيح والضعيف يسمى عند المتأخرين الحسن ؛ وما بين الضعيف والموضوع يسمى الضعيف جدًا (1) .
(1) من تدبر وجد أن كل قسم من أقسام الحديث الخمسة الشهيرة عند المعاصرين والمتأخرين نوعان:
نوع محكوم عليه بذاته.
ونوع محكوم عليه بغيره.
فالصحيح: صحيح لذاته ، وصحيح لغيره ؛ وكذلك الحسن .
وهذه الأنواع الأربعة معروفة مشهورة .
والضعيف - كذلك - منه ما هو ضعيف لذاته ، أي بسبب ضعف إسناده نفسه ، أي لوجود راو ضعيف فيه ، أو لانقطاع بين رواته ، أو ما هو مظنة ذلك .
ومنه ما هو ضعيف لغيره ، أي يكون سنده في نفسه صحيحًا أو حسنًا ، ولكن تدل الأصول العامة أو الأحاديث الثابتة أو الطرق الأخرى لذلك الحديث على شذوذه وتوجب تعليله وتضعيفه .
وكذلك الموضوع ، منه ما يحكم بوضعه ، لتفرد وضاع بروايته ؛ وهذا في الحقيقة محكوم عليه بذاته .
ومنه ما يروى بسند ضعيف أو ضعيف جدًا وهو سالم من وجود الكذابين فيه ، ولكنه يكون موضوعًا بدلالة غيره من أسانيده على وضعه ، أي يتبين من النظر في مجموع طرقه أنه في أصله من اختلاق بعض الوضاعين وأنه قد سرقه بعضهم فأدخله على ضعيف لا يتعمد الكذب فرواه ذلك الضعيف بإسناد نظيف فتكون هذه الطريق ضعيفة فقط ، غير دالة بنفسها على وضع الحديث ، وإنما دل عليه تدبر طرقه الأخرى ومعرفة من فيها من الوضاعين والكذابين ، أو يتبين وضع ذلك الحديث من جمع أحاديث الباب وما يتعلق بها من الأحاديث والآيات وغيرها من الأمور التي قد تضر الحديث مخالفته لها ، فيكون متنه مخالفًا لما هو مقطوع به من معاني الآيات أو لما هو مجزوم بثبوته من الأحاديث أو التواريخ أو مخالفًا للمعقولات الصريحة ، مع عدم إمكان الجمع في ذلك كله .