ومن طالع تراجم أئمة الحديث من التابعين فمن بعدهم وتدبر ما آتاهم الله تعالى من قوة الحفظ والفهم والرغبة الأكيدة في الجد والتشمير لحفظ السنة وحياطتها بانَ له ما يحير عقله، وعلم أن ذلك ثمرة تكفل الله تعالى بحفظ دينه، وشأنهم في ذلك عظيم جدًا، إذ [بالأصل: أو] هو عبادة من أعظم العبادات وأشرفها؛ وبذلك يتبين أن ذلك من المصالح المترتبة على ترك كتابة الأحاديث كلها في العهد النبوي، إذ لو كتبت لانسد باب تلك العبادة، وقد قال الله تعالى: (51: 56 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) .
وثم مصالح أخرى منها تنشئة علوم تحتاج إليها الأمة، فهذه الثروة العظيمة التي بيد المسلمين من تراجم قدمائهم، إنما جاءت من احتياج المحدثين إلى معرفة أحوال الرواة، فاضطروا إلى تتبع ذلك وجمع التواريخ والمعاجم، ثم تبعهم غيرهم.
ومنها [أي المصالح] الإسناد الذي يعرف به حال الخبر، كان بدؤه في الحديث ثم سرى إلى التفسير والتأريخ والأدب.
هذا والعالم الراسخ هو الذي إذا حصل له العلم الشافي بقضية لزمها، ولم يبال بما قد يشكك فيها، بل إما أن يعرض عن تلك المشككات، وإما أن يتأملها في ضوء ما قد ثبت.
فههنا من تدبر كتاب الله وتتبع هدى رسوله ونظر إلى ما جرى عليه العمل العام في عهد أصحابه وعلماء أمته بوجوب [كذا في الأصل ، ولعل صواب العبارة: (قطع بوجوب) ] العمل بأخبار الثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها من صلب الدين.
فمن أعرض عن هذا وراح يقول: لماذا لم تكتب الأحاديث؟ بماذا؟ لماذا؟ ويتبع قضايا جزئية ـ إما أن لا تثبت، وإما أن تكون شاذة ، وإما أن يكون لها محمل لا يخالف المعلوم الواضح ـ من كان هذا شأنه فلا ريب في زيغه) . وانظر (التنكيل) (ص233-234) .
حكُّ الكتابة هو إزالتها بإمرار شيء حادٍّ أو خشن عليها بنوع قوةٍ بحيث يذهب المكتوب بذهاب شيء من موضعه .