شرحُ معناها أنه كان من عادة طلبة الحديث أنهم إذا بدأوا بتحفُّظ الأحاديث قدموا المسند (أي المرفوع) على غيره ؛ وقدموا من المرفوع الأصحَّ ، في الجملة ؛ هذا معروف ومعقول جدًا وهو مقتضى صحة طريقة طالب العلم .
فيظهر - والله أعلم - أن المراد بعبارة أبي حاتم هذه هو أن أحاديث التفسير يغلب عليها أن تكون موقوفة غير مرفوعة ، وأنها أيضًا يغلب أن تكون من رواية غير المتقنين ، كالمتروكين والضعفاء والمدلسين والمختلطين وأشباههم، وأسانيد هؤلاء في الجملة كثيرًا ما يقع فيها الغلط والاضطراب والاختلاف وتبديل الأسماء وتغيير الأسانيد وتركيبها ونحو ذلك ؛ وهذا كله يكون في أغلب الأوقات سببًا في إعراض الأئمة وثقات الرواة عن تلك المرويات ، فيقل تداولها بين أهل الحديث ، وتقل عنايتهم بها وبتحفظها ، أي لكونها موقوفة أولًا ، ولكونها غير ثابتة ثانيًا ، ولكثرة ما فيها من اضطرابات واختلافات وإرسال ونحو ذلك من أسباب الضعف وأوهام الضعفاء ، فتبقى تلك المرويات بسبب ذلك كله محصورة غير مشهورة ، فلا يحفظها إلا حافظ كبير ، ولا يعتني بها إلا متبحر ؛ ولذلك قل نصيب مرويات التفسير من اهتمام الحفاظ وأئمة الحديث؛ وقد أسند الخطيب البغدادي في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) (2/162) إلى الإمام أحمد قال: (ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير) .
قال الخطيب:(وهذا الكلام محمول على وجه ، وهو أن المراد به كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمَدٍ عليها ولا موثوق بصحتها لسوء أحوال مصنفيها وعدم عدالة ناقليها وزيادات القُصّاص فيها ؛ فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة ، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتصلت أسانيدها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من وجوه مرضية وطرق واضحة جلية .
وأما الكتب المصنفة في تفسير القرآن فمن أشهرها كتابا الكلبي ومقاتل بن سليمان).