ومن تتبع ذلك وأنعم فيه النظر علم أنهما في الغالب لا يهملان الجرح البتة ، بل يحملانه على أمر خاص ، أو على لين في الراوي لا يحطه عن الصلاحية [للاحتجاج] به فيما ليس مظنةً الخطأ أو فيما توبع عليه ونحو ذلك ؛ راجع الفصل التاسع من (مقدمة فتح الباري) .
القضية الثانية: أن الجرح إذا كان مفسرًا فالعمل عليه ، وهذه القضية يُعرف ما فيها بمعرفة دليلها ، وهو ما ذكره الخطيب في (الكفاية) (ص105) قال:
(والعلة في ذلك أن الجارح يُخبر عن أمر باطن قد علمه ويصدّق المعدلَ ويقول له: قد علمتُ من حاله الظاهرة ما علمتَها وتفردتُ بعلم لم تعلمْه من اختبار أمره ، وإخبار المعدِّل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح ، ولأن من عمل بقول الجارح لم يتهم المزكي ولم يخرجه بذلك عن كونه عدلًا ؛ ومتى لم نعمل بقول الجارح كان في ذلك تكذيب له ونقض لعدالته ، وقد علم أن حاله في الأمانة مخالفة لذلك) .
أقول: ظاهر كلام الخطيب أن الجرح المبين السبب مقدم على التعديل ، بل يظهر مما تقدم عنه في القاعدة الخامسة من قبول الجرح المجمل إذا كان الجارح عارفًا بالأسباب واختلاف العلماء: أن الجارح إذا كان كذلك قدم جرحه الذي لم يبين سببه على التعديل ، لكن جماعة من أهل العلم قيدوا الجرح الذي يقدم على التعديل بأن يكون مفسرًا ، والدليل المذكور يرشد إلى الصواب ، فقول الجارح العارف بالأسباب والاختلاف: ليس بعدل ، أو: فاسق ، أو: ضعيف ، أو: ليس بشيء ، أو: ليس بثقة ، هل يجب أن لا يكون إلا عن علم بسبب موجب للجرح إجماعًا ؟
أوَلا يحتمل أن يكون جهل أو غفل أو ترجح عنده ما لا نوافقه عليه ؟
أو ليس في كل مذهب اختلاف بين فقهائه فيما يوجب الفسق ؟