الأول: أن واضعيها في الغالب كبار الأئمة ، والإمام يتبعه غالبًا كثير من الناس في ألفاظه وقواعده وأحكامه .
الثاني: شدة حاجة الناس إليها ، لما فيها من التيسير والتقريب والاختصار ، كما تقدم ذكرُه .
الثالث: شدة قربها في معانيها الاصطلاحية الجديدة من معانيها اللغوية القديمة ، وهذا مما يسهل فهم تلك المعاني الجديدة ، ولا سيما إذا كان ذلك بمعونة السياق والقرائن والمعرفة بعلم الحديث في الجملة .
لم يكن المحدثون ليحرصوا ، في وضعهم المصطلحات ، على مراعاة طريقة المناطقة - ومن تأثر بهم من المتأخرين - من شدة الالتزام بتقسيم المعاني تقسيمًا لا لبس فيه ولا اشتراك ولا تداخل ، ثم وضع اسمٍ اصطلاحيٍ خاص بكل قسم ، ويكون ذلك الاسم معبرًا تعبيرًا دقيقًا عن معنى ذلك القسم .
بل اصطلاحات المحدثين ، أعني المتقدمين منهم ، كانت جارية على السليقة موافقة للفطرة مناسبة للواقع ، قريبة في معانيها الاصطلاحية من المعاني اللغوية ، أي الأصلية ؛ وانظر أواخر الفقرة السابقة .
أما طريقة أهل الحديث فقد تقدم بيانها .
وأما المناطقة - ومن أثرت طريقتهم فيه - فيحرصون في وضع المصطلحات ، على أمر هام عندهم ، ويفرّطون في أمر آخر هام عند العلماء (1) ؛ وهذا بيان هذين الأمرين:
أما الأمر الأول ، وهو الذي يحرص عليه المنطقيون ومقلدوهم ، فهو: كمال تخصيص أو تقسيم المصطلحات ؛ فتراهم يحرصون على أن يجعلوا لكل معنى في الفن الذي يتكلمون فيه اسمًا يخصه ، وأن يجعلوا لكل اسم معنى يخصه ، بحيث تكون الألفاظ مفصلة على المعاني وموزعة عليها ومستوعبة لجميعها ، بلا تداخل ولا اشتراك ولا إجمال ولا عموم .
(1) ولقد تسرب أثر هذا الحرص إلى شرحهم لمصطلحات غيرهم .