فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 1631

وهذا مطلب حسن ونافع جدًا ، ولكنه لا يوجد إلا في خيال المناطقة وتصوراتهم التي ليس لها في الواقع نظير ولا مثال ، لأنها غير ممكنة إلا إذا وُجدت على وجه ضارٍّ بالعلوم مؤدٍّ إلى وقوع الأخطاء الكثيرة في تلك التقسيمات والضوابط.

وبعبارة أخرى: طريقة المناطقة في الاصطلاحات ممكنة ولكنها غير صحيحة لأنها مؤدية إلى الإخلال بجوانب من مسائل ذلك العلم الذي يضعون له تلك المصطلحات ؛ كمن يأتي إلى قطعة أرض مدورة أو مثلثة فيريد أن يقسمها إلى مربعات كبيرة ، فإنها لن تسلم - حينئذ - من أن تضيع جوانب هامة منها .

وأما الأمر الثاني الذي قصروا فيه ، فتقصيرهم هو عدم مبالاتهم ببعد الشقة بين مصطلحاتهم وبين اللغة العربية ، بحيث صارت تلك المصطلحات - لشدة مباعدة معانيها الاصطلاحية لمعانيها اللغوية - كأنها من لغة أخرى ، لا يكاد المرء يهتدي إلى معرفة كثيرٍ ولا قليلٍ من معاني تلك المصطلحات ، إلا بالوقوف على تعريفات أهلها لها ، بل إن تلك التعريفات تحتاج إلى من يُعرّف الناسَ بها ؛ ثم بعد ذلك التعريف للتعريف - إن حصل - فقد لا يهتدي الطالب إلى المراد ، ولو كرر الشارح وأعاد !!

هذه طريقة المناطقة ، أو هذه غايتهم ؛ ولكن مصطلحات المحدثين لم توضع وضعًا منطقيًا ، أعني لم توضع على طريقة المناطقة ، وإنما وضع أكثرها - ولا سيما المصطلحات القديمة منها - وضعًا عفويًا فطريًا ؛ استعملوا الألفاظ والتراكيب استعمالًا لغويًا أو استعمالًا قريبًا جدًا من المعنى اللغوي بحيث يفهم السامع الفطن - من طلبة ذلك الفن - المقصودَ من ذلك التعبير ، إما بمجرد سماعه له في سياقه، أو بتكرر استعماله ، أو بقرائن تحفه ؛ وهكذا نشأت مصطلحات المحدثين وانتشرت ، كما تقدم بيانه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت