فهرس الكتاب

الصفحة 426 من 1631

الثاني: يظهر أن جمهور العلماء بالحديث قدماء ومتأخرين كانوا يفرقون بين الإرسال الخفي والتدليس (1) ، وأن قليلًا منهم كابن حبان والخليلي كانوا - بحسب ما يظهر - يسمون الإرسال الخفي تدليسًا ، وهل كان هؤلاء يشترطون في تسميته تدليسًا تعمد فاعله الإيهام أو لا يشترطون ؟ هذا ما ينبغي أن يحرر ؛ وعلى كل حال فالتحقيق أن الإرسال الخفي لا ينبغي أن يعد تدليسًا إلا بشرط تعمد فاعله الإيهام ، وبهذا قد يجمع بين ما قد يظهر من تناقض بين عبارات بعض الأئمة في تعريف التدليس ، كالخطيب في (الكفاية) .

الثالث: معنى التدليس منتفٍ عن تعليق المصنفين غير المدلسين الحديث عن شيوخهم، وقال ابن حجر في (نزهة النظر) : (الصحيح في هذا [أي تعليق المصنفين عن شيوخهم] التفصيل، فإن عرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مدلس قضي به ، وإلا فتعليق) . انتهى.

قلت: حاصل هذا الجواب أنه لا يعد بذاته تدليسًا ولا يثبت وصف المصنف بالتدليس بمجرد هذا الصنيع.

والذي أراه هنا هو أنه إذا روى مصنفُ كتابٍ مسندٍ حديثًا وخصَّ رواياته المسندة المتصلة بصيغة صريحة في السماع مثل (أخبرنا) و (حدثنا) ، ثم نصب علامة على ما يعلقه عن شيوخه، أي ما يرويه عنهم - مما لم يسمعه منهم - بحذف الواسطة بينه وبينهم ، وكانت تلك العلامة هي أن تكون صيغة الأداء عنهم (قال) ، مثلًا، فهذا الصنيع ليس من التدليس في شيء، فهذه الصيغة (قال) من صيغ التعليق في ذلك الكتاب ، عن شيخ المصنف وعن غيره ، لا من صيغ الإسناد.

وذلك بخلاف من لم يضع علامة مميزة للتعاليق ، فهو تدليس. والله أعلم.

وانظر (أسباب تدليس الإسناد) .

(1) لقد ثبت أن أبا زرعة وأبا حاتم كانا لا يسميان الإرسال الخفي تدليسًا. انظر (تهذيب التهذيب) (5/224-225و5/226) و (التنكيل) (2/89) ؛ وانظر ما كتبه الدكتور خالد الدريس في كتابه (موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع) (ص338-345) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت