فهرس الكتاب

الصفحة 780 من 1631

الزيادة من الثقة مقبولة :

إذا قال المحققون من النقاد ، وأعني بهم علماء العلل: (الزيادة من الثقة مقبولة) في معرض تخريجهم بعض الروايات ، فليس معنى ذلك أن هذه قاعدة عامة عندهم ، وأن زيادات الثقات مقبولة بإطلاق ؛ وإنما المعنى الحقيقي لتلك العبارة مقيد بذلك الموضع ومحصور به ، لا يتعداه إلى غيره ، فكأن ذلك الناقد قال: (زيادة الثقة أي الذي يوثق بما زاده في ذلك الموضع: مقبولة) ؛ ولقد تكررت هذه العبارة كثيرًا في كتب العلل ونحوها ، ولم يكن مرادهم بها الإطلاق الذي مشى عليه الفقهاء وأكثر المتأخرين ، وإنما مرادهم ما ذكرت ، ودليله أن أصحاب كتب العلل المشار إليها هم أنفسهم قد ردوا كثيرًا من زيادات الثقات في تلك الكتب نفسها وفي غيرها أيضًا .

فإن قيل: حصرُك لتلك العبارة في الموضع الذي قيلت فيه: فيه تحجُّرٌ لواسع ودعوى غير واضحة البرهان ، أقول: دعونا من الألفاظ والعبارات ولنأت إلى ساحة الحقائق ، فأقول: لا مانع عندي من أن أقول: إن مراد علماء العلل بالعبارة المذكورة هو أن الأصل في زيادات الثقات القبول إلا إذا منع مانع من قبول بعضها ؛ ولكني أنفي أن يكون المانع من القبول محصورًا في القدر الذي اعتبره المتأخرون ، وهو عدم إمكان الجمع ونحو ذلك ؛ فإن موانع تصحيح زيادة الثقة عند علماء العلل كثيرة جدًا وفيها كثير من الخفاء والدقة والبعد بحيث لا يقدر على التصريح بانتفاء الموانع من تصحيح زيادة الثقة في حديث بعينه إلا علماء العلل ، ومَن سار على طريقتهم واستضاء بنور علمهم في أصوله وفروعه ، من الطلبة الجادين النابهين الذين تقوم دراساتهم المتبحرة الشاملة وسهرهم الدائم وتفتيشهم الدائب - مع اقتصارهم على قدر غير كبير من الأحاديث أو الأبواب - ، في تلك الأبواب ، مقامَ ما منَّ الله به على جهابذة الفن وكبار علمائه من معرفة ثاقبة وحفظ عجيب وبديهة حاضرة ؛ ومن الله التوفيق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت