والخدمة المتوقّعة بعد ذلك الجمع الذي لم يَعْتَنِ بتمييز الصحيح من السقيم؛ لأن الذين قاموا به كانوا يعتبرون الجمع الموسَّع في تلك المرحلة هو الأولى بالتحقيق هو أن يُعتنى بتمييز الصحيح من السقيم، بل هذا هو الذي كان يجب أن يقوم به العلماء فعلًا بعد اكتمال الجمع؛ حيث إن هذا الجمع لن يؤدِّي هدفه الأخير بغير بيان ما يصلح منه للعمل والاحتجاج مما لا يصلح لذلك. وهذا ما سبق إليه الإمام البخاري، في كتابه (الصحيح) ، بإشارة من أحد شيوخه (أحد أصحاب الجوامع الكبار) وهو إسحاق بن راهويه (1) .
إن مجرّدَ إقبال البخاري على مثل ذلك الإبداع، وفي كتابٍ يسمه بالمختصر ليدلّ على اتّضاح ملامح المرحلة التي تمرّ بها السنة عنده، وأنها قد أصبحت محتاجةً إلى مبادرة تقوم بتكميل جهود الجمع السابقة، بإخراج كتاب مختصر خاصٍّ بالأحاديث الصحيحة.
ولاشك أن البخاري لم يكن ليفكّر بهذا العمل لو كان هاجس ضياع السنة مُسْتَوليًا على تفكيره، بل لم يكن ليقدر عليه (حتى لو فكّر فيه) لو لم تقم الجهود السابقة بضرورة جمع السنة.
ثم إن مسلمًا تبع البخاريَّ في جمع كتاب مختصر في الصحيح، سائرًا على خُطى شيخه في تحقيق الهدف نفسه.
نعم.. لقد خرجنا إذن بنقل الإجماع على أن منهج النقد في هذا القرن قد بلغ قمةَ التطوّر!!!
وهذا غاية ما نريد!!!
لقد دخل القرن الرابع وهو يحمل إرثًا عظيمًا وثقيلًا، لقد كان مِنْ قَدَرِ الله تعالى له أن يكون مرحلةَ ما بَعْدَ الاكتمال، وليس بعد الاكتمال إلا النقص. وهذه سنةٌ سبق الكلام عنها في تاريخنا النظري، فلا غرابة في حصولها). انتهى كلام الشيخ حاتم مختصرًا بحذف أشياء أشرت إلى حذفها بالخطوط المتقطعة.
(1) هدي الساري (8 - 9) .