وأما السنةُ فكان شأنها أهم وأعظم ، وكان حفظها أعجب وأغرب؛ وذلك لكثرة أعدائها الحاقدين عليها ، من كل حريص أشد الحرص على إضاعة السنة وتبديلها ، أو تحريفها وتأويلها ، أو هجرِها وتعطيلها، يعينهم في ذلك كثير من مبتدعة المسلمين وفسّاقِهم وجهلتِهم.
ولكن يأبي الله إلا أن يُتمَّ نورَه ، فأنشأ - تبارك وتعالى - برحمته وحكمته ، لحفظ السنة وشرحها وتبليغها ، علماءَ عقلاءَ أتقياءَ أنقياء ، متحرّين متبحّرين ، متثبتين محتاطين ، أئمةً لو وُزنوا في رسوخهم بالجبال لوَزَنُوها ، أو طاولوا في منازلهم النجوم لعلََوها ، وكانوا - حقًّا زينةَ هذه الأمة ، ومفخرتَها ، وورثةَ نبيها صلى الله عليه وسلم ، وحملةَ أسباب هدايتها ، وكذلك شأنهم إلى يوم القيامة (1) .
ولقد كان لهؤلاء الأئمة - ولمن سار على دربهم من العلماء بعدهم - في علمهم هذا ، وهو علم الحديث ، قواعدُ أصَّلوها وفصّلوها ، ومصطلحاتٌ وضعوها وبينوا معانيها - أو أشاروا إليها - وتداولوها .
فلذلك صار مَن أرادَ أنْ يقترفَ من بحرهم ، أو يأخذَ عنهم بعضَ علمِهم ، مضطرًّا إلى معرفة تلك القواعد وتلك المصطلحات .
فلا بد لطالب علم الحديث الذي يطمعُ أن يكونَ من أهله أن يتمكن من معرفة أربعة أبواب منه ؛ وذلك هو القدر الأدنى الذي لا يمكن الاقتصار على ما كان دونه ؛ وإليك بيان هذه الأبواب:
(1) أشار الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه (الرِّسَالَةِ) إلى حفظ لغة العرب وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (لِسَانُ الْعَرَبِ أَوْسَعُ الأَلْسِنَةِ لا يُحِيطُ بِجَمِيعِهِ إلا نَبِيٌّ ، وَلَكِنَّهُ لا يَذْهَبُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى عَامَّتِهَا ، وَالْعِلْمُ بِهِ عِنْدَ الْعَرَبِ كَالْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ ، لا نَعْلَمُ رَجُلًا جَمَعَ السُّنَنَ فَلَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَتُوجَدُ مَجْمُوعَةً عِنْدَ جَمِيعِهِمْ) .