وأرى أن الصواب في هذه القضية أن أبا حاتم كان يطلق لفظة (صدوق) على راوي الحديث الحسن أي على الراوي العدل الضابط الخفيف الضبط، وهذا هو الغالب، ويطلقها أحيانًا على العدل التام ضبطه، وهو إنما يفعل ذلك في تلك الأحيان تشددًا في إطلاق التوثيق التام تارة ، وتجوزًا وتوسعًا تارة أخرى، وهذا التوسع وذاك التشدد يقعان في كلامه على شيوخه وأقرانه أكثر من وقوعهما في كلامه على من سواهم.
وهذا معناه أنه ينبغي عند دراسة أحكام الرواة الذين قال فيهم أبو حاتم: (صدوق) ، وعند محاولة الجمع والتوفيق بين أقوال النقاد فيهم: ملاحظةُ هذا الاحتمال واعتباره وعدم إهماله ووجوب التثبت والتأمل وملاحظة القرائن التي قد يتبين بها مقصد أبي حاتم على وجه التحديد.
فإن لم تقم قرينة في حق راو ما على أحد الاحتمالين المذكورين، بقي الحكم للغالب الذي تقدم بيانه ، فتفُسر عبارة أبي حاتم به ، لأنه الأصل في هذه المسألة .
والحاصل أنه لا يصح ما ذهبا اليه من عكس هذه القاعدة، وهو أن التوثيق التام هو الأصل في شيوخ أبي حاتم الذين وصفهم هو بكلمة (صدوق) ، والذي معناه الحكم بالتوثيق التام لجميع شيوخ أبي حاتم الذين قال فيهم: (صدوق) إلا من قامت القرائن على وجوب استثنائه ؛ وإنما يستقيم مثل هذا الحكم الأغلبي إذا كان أبو حاتم لا يطلق كلمة (صدوق) في الغالب إلا على من هو ثقة ؛ وأنَّى يَثبت ذلك ؟! .
إن الأصل في شيوخ أبي حاتم الذين وصفهم بكلمة (صدوق) هو غير الأصل في شيوخ أبي حاتم عامة ؛ فهذان أصلان ينبغي التفريق بينهما ، ولا يصح الخلط بينهما ، وهذا بيان ذلك: