قال صاحبا (تحرير التقريب) (1/43) بعد بيانهما لبعض عبارات ابن أبي حاتم: (على أن هذه المصطلحات عند أبي حاتم لا تسير على نمط واحد، فقد عرفنا بالاستقراء أنه يطلق لفظة صدوق على شيوخه الثقات الذين ارتضاهم وروى عنهم ويريد بها ثقة، وإنما استعمل هذه اللفظة كما يبدو تواضعًا(1) ، ولم ينتبه الحافظ ابن حجر إلى هذه المسألة ولا أحد ممن جاء بعده ).
قلت: ولا أحد ممن جاء قبله، فانفرد هذان المؤلفان بهذه الدعوى، وهذا مما يريب - عند اجتماعه مع عدم الدليل الواضح - في صحة إطلاقها بلا تقييد .
نعم أبو حاتم متعنت في إطلاق التوثيق على شيوخه، بل وأحيانًا على غيرهم؛ ولكن لا يلزم من ذلك ما قالاه .
(1) دعوى ان ذلك وقع منه تواضعًا فيها نظر، فإن من البين الواضح ان الموضع ليس موضع تواضع وانما هو موضع نقد للرواة وبيان لأحكامهم، ثم الامر- كما ترى - ليس متعلقًا بابي حاتم نفسه، وانما يتعلق بقوم آخرين، فأي دخل للتواضع هنا ؟ ومعلوم ان كون اولئك الرواة من شيوخه لا يسوغ له ذلك. وابو حاتم ما كان ليرضى بتعمية معنى كلامه على الناس وبأن يكون كلامه موهما خلاف مايريده أو ما ينبغي ان يقوله في كثير من الرواة بحجة التواضع. ولهما في موضع آخر تعليل يخالف بظاهره هذا التعليل، فقد قالا (1/70) : « وقد لاحظنا ان ابا حاتم يطلق كلمة صدوق على كثير من شيوخه الثقات تحريًا» .
ثم انهما لم يبينا لماذا اقتصر ابو حاتم في هذا التحري على شيوخه دون سواهم، فان قالا انه لم يقتصر فيه عليهم قيل: ولكنكما اقتصرتما على ذلك في قولكما، وأشعر به صنيعكما.