فهرس الكتاب

الصفحة 893 من 1631

فهذا ، كما لا يخفى ، أولى بكثيرٍ من ادعاء - أو نسبة - اصطلاح شاذ لبعض كبار النقّاد (1) ؛ ومثل هذا الادعاء إنما يقع من أصحابه بسبب أنهم يريدون أن يحافظوا على معنى موحَّد للفظة الاصطلاحية للناقد، فتراهم يطردون تفسير تلك الكلمة بذلك المعنى - ولو كان شاذًا - في جميع مواضع استعمال ذلك الناقد للكلمة ، بلا استثناء! ؛ وهذا مسلك غير مستقيم ؛ فقد قال المعلمي في مقدمته لكتاب (الفوائد المجموعة) (ص9) : ( صيغ الجرح والتعديل كثيرًا ما تطلق على معان مغايرة لمعانيها المقررة في كتب المصطلح، ومعرفة ذلك تتوقف على طول الممارسة واستقصاء النظر) ؛ انتهى.

وقال الباجي في (التعديل والتجريح) (1/283-288) : ( اعلم أنه قد يقول المعدل:(فلان ثقة) ولا يريد به أنه ممن يُحتج بحديثه، ويقول: (فلان لا بأس به) ويريد أنه يُحتج بحديثه؛ وإنما ذلك على حسب ما هو [أي الناقد] فيه، ووجهِ السؤال له.

فقد يُسأل عن الرجل الفاضل في دينه المتوسط في حديثه فيُقرن [أي في السؤال] بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان ؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من نمط من قُرن به، وأنه ثقة بالإضافة إلى غيره.

وقد يُسأل عنه على غير هذا الوجه فيقول: لا بأس به، فإذا قيل: أهو ثقة ؟ قال: الثقة غير هذا ).

ثم اطال الباجي في التمثيل لتلك المعاني والاستدلال لها إلى أن قال: (فهذا كله يدل على أن ألفاظهم في ذلك تصدر على حسَب السؤال، وتختلف بحسَب ذلك، وتكون بحسَب إضافة المسؤول عنهم بعضهم إلى بعض) .

ثم قال: (وقد يُحكم بالجرحة على الرجل بمعنى(2) لو وُجد في غيره لم يُجْرح به، لما شُهر من فضله وعلمه وأنَّ حالَه يحتمل مثل ذلك).

(1) وهل أخذ جمهور المحدثين مصطلحاتهم إلا عن الكبار من متقدمي أئمة الحديث كشعبة وسفيان ومالك وتلميذَيهم عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد.

(2) أي بسبب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت