المعنى المحتمَل الأول: ما ادعياه، أي أن ابن مهدي كان يطلق كلمة (صدوق) على الثقات الذين هم أصحاب المرتبة الثالثة من مراتب الرواة في (تقريب التهذيب) ، ولا يطلقها على مَن دونهم، خلافًا لسائر المحدثين ، أو لجمهورهم ؛ ولكن هذا الاحتمال ضعيف ، لأنه خلاف الأصل ، ولا دليل يقتضي الخروج عن الأصل؛ فأين الاستقراء ؛ وأين النقل عن المتقدمين؛ وأين الدليل الصريح الصحيح؟ بل أين الدليل القوي الكافي في الاستناد إليه ، ولو كان ظنيًا ؟
المعنى المحتمل الثاني: أنه لم يكن يفرق بين الثقة والصدوق من الرواة ، فكان يطلق على كلا الرجلين كلمة (صدوق) .
وهذا الاحتمال الثاني ضعيف مردود يُعلم ضعفُه بأدنى تأمل في السؤال الموجَّه إلى الامام عبد الرحمن بن مهدي وجوابه عليه، في الحكاية السابقة ؛ ويؤيد كونَه ضعيفًا أيضًا أنه خلاف طريقة الأئمة (1) في التفريق بين الكلمتين.
المعنى المحتمل الثالث: أن معنى لفظة (صدوق) عند ابن مهدي كمعناها عند الجمهور، ولكن معنى عبارة (كان صدوقًا وكان مأمونًا) عنده أعلى من معنى لفظة (صدوق) وحدها، وإن كان أقل من معنى إطلاق التوثيق، وأن ذلك ما يستحقه أبو خلدة في نقد ابن مهدي.
المعنى المحتمل الرابع: وهو - فيما أرى - أقوى وأصح هذه الاحتمالات ، بل لعله لا يصح منها غيره ؛ وهو أن معنى لفظة"صدوق"عنده ، هو معناها عند الجمهور، من أقرانه وتلامذته وغيرهم ، أي أن الموصوف بها يكون حسن الحديث لا صحيحه، ولكنه أنزل أبا خلدة - مع أنه ثقة عنده - إليها، لأمر أو أكثر من أمر ؛ فإن قيل: ما هي تلك الأمور ؟
قلت: أهمها وأقربها أمران:
الأول: تشدد السائل عن أبي خلدة ، وملاحظة ابن مهدي لذلك التشدد ، وقيام القرائن عليه ؛ فلو وصف ابن مهدي أبا خلدة - مع ذلك التشدد - بكلمة"ثقة"فإنه يكون حينئذ قد أعطاه أكثر مما يستحقه .
(1) وابن مهدي من أفاضلهم، كما هو معلوم.