والثاني: أن يكون المقام أو المجلس مجلس تشديد أو تحقيق أو مقارنة ؛ كأن يكون سؤال السائل لابنِ مهدي عن أبي خلدة قد تقدمه في ذلك المجلس استعمالُ ابن مهدي كلمة"ثقة"مجردةً ، في وصف واحد - أو أكثر - من أئمة الحديث الثقات الأثبات المتقنين ، لأن ظاهر هذا السؤال حينئذ هو: (هل أبو خلدة ثقة كهؤلاء؟) ، فصار لا بد من الاحتراز عن مساواته بهم ؛ فالحكم على أبي خلدة حينئذ إنما هو حكمٌ عليه بالنسبة إلى الصنف المذكور من الثقات كسفيان وشعبة أو بعض نظرائهما من أكابر الحفاظ وأمراء المؤمنين في الحديث، فأراد ابن مهدي أن يجعل بينه وبينهم فرقًا وأن يؤخر رتبته عن رتبتهم، فلما سمى هؤلاء ثقاتٍ فقط لم يجد بدًا من أن يصف أبي خلدة بكلمة يكون معناها دون معنى كلمة (ثقة) في ذلك المقام ، فاختار كلمة (صدوق) (1) ؛ فإن المقام الذي فيه مقارنة الراوي بهؤلاء الأساطين مقامُ تشديد وتعنت ، أو مقام تدقيق في الألفاظ ؛ أي أنه لما قال لبعض الكبار المقدَّمين: (ثقة) ، فقط ، من غير توكيد مبيِّن لعظم إتقانه وعلو كعبه بين الثقات، فإنه لا مانع حينئذ أن يوصف مثل أبي خلدة بجانبه بأنه صدوق مأمون، بل إن ذلك هو المتعين في حقه هنا، وهو الذي لا سبيل إلى أكثر منه ، وإلا فإنه لو قال فيه: (ثقة) أيضًا لساواه بهم وهو عنده دونهم .
(1) وكان من الممكن الجائز أن يختار أيضًا نحوها مما يؤدي معناها.