قلت: وأما إذا اقترن بها وصف تليين ، فحينئذ يكون الراوي لين الحديث ، وتكون كلمة (صدوق) متعلقة بعدالة الراوي لا بضبطه ، فكأن المراد منها معناها اللغوي ؛ وإنما الذي سوّغ عندهم إطلاقَ هذه الكلمة الاصطلاحية على مثل ذلك الراوي هو عدالته من جهة وقلة ضعفه من جهة أخرى ، وكأنه له نصيب من اسمها الاصطلاحي؛ ونظير هذا إطلاق بعض السلف كلمة (يكذب) على من يخطئ من غير تعمد ، وإنما سوّغ لهم ذلك الإطلاق ملاحظة تقصيره في تحديثه بأمر لم يتقنه ، وملاحظة جرأته في الكلام في الدين في مسائل لم يحسن فهمها أو نقلها، وكذلك يلاحظون أن مثل هذه اللفظة الخشنة (يكذب) أدعى إلى الرد على ذلك الواهم وأقرب إلى التنفير من قبول ذلك الوهم منه.
والآن أسوق هذه المباحث المفصلة في تحقيق معنى كلمة (صدوق) في اصطلاح ثلاثة من الأئمة هم عبدالرحمن بن مهدي وأبو حاتم الرازي وابنه عبدالرحمن ، وفيها مناقشة بعض ما ادُّعي في تفسير اصطلاحهم في هذه الكلمة ، فدونك ذلك:
قال الدكتور بشار عواد معروف والشيخ شعيب الأرنؤوط في (تحرير التقريب) (1/41) : (وكان عبد الرحمن بن مهدي يستعمل لفظة الصدوق للثقات الذين هم دون الأثبات، فقد قيل له: أبو خلدة ثقة ؟ فقال: كان صدوقًا وكان مأمونًا، الثقة سفيان وشعبة.
وأبو خلدة هذا مجمع على توثيقه (1) كما بينّاه في تحرير أحكام التقريب، ومع ذلك قال ابن حجر في"التقريب": صدوق، لعدم ادراكه لمدلول هذا اللفظ عند ابن مهدي، كما يظهر) ؛ انتهى .
أقول: هذا المثال الواحد الذي ذكراه لا يكفي لبناء قاعدة عليه ؛ وفي دعواهما هذه نظر ، وإليك تفصيل ذلك وشرحه:
يظهر أن إطلاق الإمام عبد الرحمن لكلمة (صدوق) على الرواة ، يحتمل - ابتداءً - أربعة معانٍ، وهي كما يلي.
(1) قد يقال هنا من باب الإيراد على كلام المحققَين: إذا كان مجمعًا على توثيقه فكيف يكون دون الأثبات؟!