وعليه فاللائق بصنيع الترمذي أن نقول:
"كلُّ حديث قال عنه"حسن غريب"فهو حديث قد رُوي من غير وجهٍ نحوه ، وإنما يُستغربُ من الطريق المذكورة لتفرد راوٍ بها ؛ ولا يشذ عن هذا الحكم حديث ، إلا وفي شذوذه لطيفة دقَّتْ عن أفهام من لم يُمعن النظر في أسانيد الأخبار وطرقها"
وسوف نُشير إلى بعضها في ثنايا سرد الأمثلة المؤكدة لعموم هذا الحكم ، مع تقرير أن عدم المعرفة بالطرق لا ينفي وجودها ، ولا يثبت عدم إحاطة الترمذي بها ، ومع إحاطة علم الناظر في ( جامعه ) أن نسخه المخطوطة والمطبوعة قد تفاوتت تفاوتًا ما في أمرين:
الأول: حكم الترمذي على الأحاديث .
الثاني: سرده لأسماء الصحابة الذين يذكرهم بقوله"في الباب عن فلان".
ومن طالع ( جامع الترمذي ) بتحقيق الشيخ العلامة أحمد شاكر، يجد تفاوتًا بينه وبين غيره من الجوامع التي حققها غيره ، فله فيه مزايا في التحقيق والمقابلة بين النسخ ينبغي أن تعقد عليها الخناصر ، والله يؤتى فضله من يشاء .
ومن أبين الأمثلة على ما وقع الاختلاف فيه على حكم الترمذي على الحديث: ما أخرجه الترمذي (174) من حديث سعيد بن أبى هلال عن إسحق بن عمر عن عائشة قالت: ( مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةً لِوَقْتِهَا الآخِرِ مَرَّتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ ) .
واختلف الحفاظ في حكم أبي عيسى الترمذي على هذا الحديث ، فاقتصر الحافظ الزيلعي في ( نصب الراية ) ، والحافظ ابن حجر في ( التهذيب ) كلاهما على الغرابة ـ يعنى قوله ( غريب ) ـ ، بينما نقل العلامة أحمد شاكر عن الترمذي قوله ( هذا حديث حسن غريب ) ، وأبان أن ذلك مذكور في ثلاث نسخ صحيحة ذكرها في ثنايا تحقيقه الحديث .
ومما يؤكد صحة هذا النقل أن الحديث مروي من غير وجهٍ عن عائشة نحوه .