وفي غمرة هذا العبث تُضيء قلة من الكتب ، طبعت في مطبعة بولاق قديمًا ، عندما كان فيها أساطين المصححين ، أمثال الشيخ محمد قطة العدوي ، والشيخ نصر الهوريني ، وفي بعض المطابع الأهلية كمطبعة الحلبي والخانجي ؛ وشيء نادر عُني به بعض المستشرقين في أوربة وغيرها من أقطار الأرض ، يمتاز عن كل ما طبع في مصر بالمحافظة الدقيقة - غالبًا - على ما في الأصول المخطوطة التي يُطبع عنها ، مهما اختلفت ، ويذكرون ما فيها من خطأ وصواب ، يضعونه تحت أنظار القارئين ، فرب خطأ في نظر مصحح الكتاب هو الصواب الموافق لما قال المؤلف ، وقد يتبينه شخص آخر ، عن فهم ثاقب أو دليل ثابت .
وتمتاز طبعاتهم أيضًا بوصف الأصول التي يطبعون عنها ، وصفًا جيدًا ، يُظهر القارئَ على مبلغ الثقة ِ بها ، أو الشك في صحتها ، ليكون على بصيرة من أمره ؛ وهذه ميزة لن تجدها في شيء مما طبع بمصر قديمًا ، بلغ ما بلغ من الصحة والإتقان.
فكان عمل هؤلاء المستشرقين مرشدًا للباحثين منا الْمُحْدَثين ، وفي مقدمة من قلدهم وسار على نهجهم العلامة الحاج أحمد زكي باشا رحمه الله ، ثم من سار سيرته واحتذى حذوه ؛ وعن ذلك كانت طبعات المستشرقين نفائس تُقْتنى وأعلاقًا تُدَّخر ، وتغالى الناس وتغالينا في اقتنائها ، على علوّ ثمنها ، وتعسر وجود كثير منها على راغبيه).