ثم عاب المستشرقين - وهم طلائع المبشرين - بما فيهم ، وعاب أعمالهم بما فيها من نقص وجهل وخلل ، وعاب الذين غلوا من قومنا في تمجيدهم وتقليدهم ، إلى أن قال:"لم يكن هؤلاء الأجانب مبتكري قواعد التصحيح ، وإنما سبقهم إليها علماء الإسلام المتقدمون ، وكتبوا فيها فصولًا نفيسة نذكر بعضها هنا ، على أن يذكر القارئ أنهم ابتكروا هذه القواعد لتصحيح الكتب المخطوطة ، إذ لم تكن المطابع وجدت ، ولو كانت لديهم لأتوا من ذلك بالعجب العجاب ، ونحن وارثو مجدهم وعزهم ، وإلينا انتهت علومهم ، فلعلنا نحفز هممنا لإتمام ما بدؤا به ."
نبني كما كانت أوائلنا تبني***ونفعل مثل ما فعلوا*** )
ثم نقل الفصل الذي كتبه ابن الصلاح في مقدمته في باب ضبط المكتوب ، وختمه بقوله:
(هذا آخر ما قال أبو عمرو بن الصلاح في هذا الفصل ، وقد طال جدًا ، ولكنه نفيس كله ، وفيه فوائد جمة ، ودقائق بديعة ، وقد كتب العلماء بعده في ذلك الشيء الكثير ، منهم المختصر ، ومنهم المطيل ، وذكروا وجوهًا وتفاصيل أخر ، وكلها في تصحيح المخطوطات كما أسلفنا ، ولسنا نحب أن نطيل فيه أكثر من هذا ، الآن ، خشية الملل والسآمة ؛ وهذه القواعد التي ذكر ابن الصلاح يصلح أكثرها في تصحيح الكتب المطبوعة ، وهي كلها إرشاد للمصحح عند النقل من الكتب المخطوطة ، حتى يعرف قيمة الأصول التي يطبع عنها ، أهي مما يوثق به ، أم مما يُحتاط في الأخذ عنه ؟ ولو كانت الفرصُ مواتية لحررت قواعد التصحيح المطبعي ، ووضعت له القوانين الدقيقة ، على أساس ما رسم لنا أئمتنا المتقدمون وعلماؤنا الأعلام الثقات ، لتكون دستورًا للمطابع كلها ، ومرشدًا للمصححين أجمع ، وعسى أن أفعل ، إن شاء الله بتوفيقه وهدايته وعونه) .