وأرجعُ إلى ما كنتُ فيه ، وهو بيان عدم التلازم بين الامتناع من رواية الحديث الضعيف وبين ترك الانتفاع بما قد يرد فيه من الحكم العالية والمواعظ الجليلة ، وأزيد على ما تقدم أنَّ طرد ذلك الأصل في الأخبار غير المرفوعة يكون من باب الأولى ؛ ولهذا كان العمل على جواز رواية ونشر أحاديث الترغيب والترهيب غير المرفوعة ، وإن كانت ضعيفة الأسانيد .
فمن أراد أن يجمع كتابًا أو كلامًا في الزهد من أقوال السلف وأخبارهم رحمهم الله، الصحابة والتابعين ومن بعدهم من القدماء فإنه لا يُشترط - لجواز نشر تلك المرويات بين الناس - صحةُ أسانيدها ، وذلك لأن باب هذه الأخبار هو باب الترغيب والترهيب في مسائل أعمال القلوب المتفق على أنها من أبواب الدين وشعب الإيمان كالصبر والشكر والحياء والتوكل والخوف والرجاء ونحوها؛ ثم إن العلماء اختلفوا في رواية الضعيف من أحاديث الترغيب والترهيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتفقوا على منع ذلك ، بل الأرجح الذي عليه الأكثر من المتقدمين والمتأخرين هو جواز ذلك ولكن بشروط مشى عليها المتقدمون وفصل فيها المتأخرون ، وقد تقدم التفصيل في ذلك ؛ ولا شك أن الأمر في باب الآثار الموقوفة والمقطوعة أسهل وأقرب ، كما تقدم ، بل لعل الباحث لا يكاد يقف على كبير نهي لهم عن رواية هذا النوع من الأخبار غير المرفوعة .