وكل ذلك يكون على سبيل التقليد والمتابعة أو الاجتهاد والتحقيق ، ويكون على سبيل الاختصار والإيجاز أو البسط والإطالة .
وقد كان التخريج بهذا المعنى ، أي الثاني ، معروفًا منذ زمن بعيد ، وكان في أوائل تدوينه يدون في ثنايا بعض الكتب الفقهية وكتب شروح الأحاديث وغيرها ككثير من كتب البيهقي وابن عبد البر و (المحلى) لابن حزم، و (التحقيق في أحاديث الخلاف) لابن الجوزي ، و (المجموع) للنووي ، و (الأذكار) له، وكثير من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته .
ثم ظهر بعدئذ إفراد التخريج بالتصنيف ، فظهرت مؤلفاتِ التخريج المتخصصةُ المتوسعةُ المكتوبةُ على نحوِ طريقةِ كتبِ التخريجِ المعروفةِ في هذا العصر فقد كانت نشأةُ ذلك على أيدي المتأخرين .
وإنَّ منْ أقدمِ مَن ألفَ في هذا الباب على هذه الطريقة الأخيرة الرافعيَّ ، تبعه ابنُ الصلاح ، ثم النوويُّ ؛ ثم ابن عبد الهادي ثم العراقي والزيلعي ثم ابن حجر ثم السخاوي والسيوطي ثم كثير من اشتغل بالحديث ممن جاء بعدهم ، ثم اشتهر فنُّ التخريج بعد ذلك ؛ واليوم يعد هذا الفن من أبرز العلوم الشرعية التي يُعنى بها كثير من العلماء والباحثين .
ومن أشهر كتب هذا الباب (نصب الراية بتخريج أحاديث الهداية) للزيلعي و (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار بتخريج ما في إحياء علوم الدين من الآثار) للعراقي و (التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير) لابن حجر، و (إرواء الغليل بتخريج أحاديث منار السبيل) للألباني.
وقد يظن من لا خبرة له بتاريخ علم الحديث أن علم التخريج علم عصري ، ابتكره أهل هذا العصر الأخير ؛ ولكن هذا الظن لا يصح ، وقد تقدم ذكر ما يُبطله.
فلما كان تمييز صحيح الحديث من سقيمه هو المقصد الأول لعلم النقد الحديثي ، صار علمُ التخريج ونقد الأحاديث علمًا أساسيًا بين علوم الحديث ، بدأ في أقدم عصور الرواية ؛ ولكن كانت هيئته غير هيئته اليوم ، والزمان لا يترك علمًا على حاله.