الآية الأولى: قال تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) } [البقرة: 106] ، فقد سلكوا مسلكًا آخر يقصدون به إبطال دلالة الآية على وقوع النسخ. واستدلوا بوجوه من عندهم وهي:
الأول: أن المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل، كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله تعالى عنا وتعبدنا بغيره؛ فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية.
الثاني: المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب وهو كما يقال: نسخت الكتاب.
الثالث: الآية لا تدل على وقوع النسخ؛ بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير منه.
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: الآيات إذا أطلقت فالمراد بها آيات القرآن؛ لأنه هو المعهود عندنا. والمعنى أن العرب لم يستعملوا كلمة آية بمعنى شريعة، وأن القرآن الكريم أيضًا لم يستعملها في أداء هذا المعنى بدليل خُلو معجم القرآن، ومعاجم اللغة منه فتفسير الآية بالشريعة تفسير لا يستقيم.
الوجه الثاني: بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن، وهذا النسخ مختص ببعضه.
والمعنى أننا قد بينا أن معنى النسخ في اللغة يدور بين الإزالة والنقل، وأن الأصل فيه الإزالة، وأسلوب الآية يقتضي ذلك؛ فإنه صريح في إفادة الإتيان بالبدل حين ينسخ، ولما كان البدل لا يجتمع مع المبدل منه؛ فإن تقرير الإتيان به - أي البدل - يستلزم أن يكون المبدل منه قد أزيل، وهذا هو معنى نسخه. وكون النسخ قد ورد في القرآن بمعنى النقل لا يسوغ تفسيره بالنقل في كل موضع ورد فيه.
الوجه الثالث: الرد على قوله أن الآية لا تدل على وقوع النسخ، بل لو وقع لوقع إلى خير منه.