فالأول نحو قوله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} [البقرة: 198] فِي التجارة فِي الحج حيث ظن المسلمون تحريم التجارة فِي عشر ذي الحجة كما كانت عليه الجاهلية بعد الانصراف من ذي المجاز كما سيأتي.
ومثال الثاني قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] بعد ذكر النساء المحرمات وقوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] لحصر وجوب الإمساك فِي خصوص زمن النهار.
وفهم من قولهم فِي التعريف رفع الحكم أن ذلك الحكم كان ثابتاً لولا رفعه وقد صرح به بعضهم ولذلك اخترنا زيادة قيد فِي التعريف وهو رفع الحكم الشرعي المعلوم دوامه بخطاب يرفعه ليخرج عن تعريف النسخ رفع الحكم الشرعي المغيّى بغاية عند انتهاء غايته ورفع الحكم المستفاد من أمر لا دليل فيه على التكرار.
وحيث تبينت حكمة نسخ الآيات علم منه حكمة نسخ الشرائع بعضها ببعض وهو الذي أنكروه وأنكروا كون الإسلام قد نسخ التوراة وزعموا أن دوام التوراة مانع من الإيمان بالإسلام كما قالوا {نؤمن بما أنزل علينا} [البقرة: 91] وهو أحوال: الأول مجيء شريعة لقوم مجيئاً مؤقتاً لمدة حياة الرسول المرسل بها فإذا توفي ارتفعت الشريعة كشريعة نوح وإبراهيم وشريعة يوسف وشريعة شعيب قال تعالى: {ولقد جاءكم يوسف} إلى قوله: {إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً} [غافر: 34] وبقي الناس فِي فترة وكان لكل أحد يريد الاهتداء أن يتبع تلك الشريعة أو بعضها كما كانوا يتبعون شريعة إبراهيم فإذا جاءت شريعة بعدها فليست الثانية بناسخة للأولى فِي الحقيقة ولكنها نسخ يخير الناس فِي متابعتها الذي كان لهم فِي زمن الفترة كما إذا كانت عَبْس مثلاً يجوز لها اتباع شريعة إبراهيم فلما جاءهم خالد بن سنان بشريعته تعين عليهم اتباعه.