وينسخ القرآن بالقرآن ، والسنة بالسنة ، وهذه العبارة يراد بها الخير المتواتر القطعي ، وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد ، وهذا كله متفق عليه ، وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة ، وذلك موجود فِي قوله صلى الله عليه وسلم:"لا وصية لوارث"، وهو ظاهر مسائل مالك رحمه الله ، وأبى ذلك الشافعي رحمه الله ، والحجة عليه من قوله إسقاطه الجلد فِي حد الزنى عن الثيب الذي يرجم ، فإنه لا مسقط لذلك إلا السنة. فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك حذاق الأئمة على أن السنة تنسخ بالقرآن ، وذلك موجود فِي القبلة فإن الصلاة إلى الشام لم تكن قط فِي كتاب الله ، وفي قوله تعالى: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] ، فإن رجوعهن إنما كان يصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش ، والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلاً ، واختلفوا هل وقع شرعاً ، فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه فِي نازلة مسجد قباء فِي التحول إلى القبلة ، وأبى ذلك قوم ، ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شروط القياس أن لا يخالف نصاً ، وهذا كله فِي مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما بعد موته واستقرار الشرع فأجمعت أنه لا نسخ.
ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ لأنه إنما ينعقد بعد النبي صلى عليه وسلم ، فإذا وجدنا إجماعاً يخالف نصاً فنعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن.
وقال بعض المتكلمين:"النسخ الثابت متقرر فِي جهة كل أحد علم الناسخ أو لم يعلمه"، والذي عليه الحذاق أنه من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول ، فإذا بلغه الناسخ طرأ عليه حكم النسخ ، والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله ، وهو موجود فِي كتاب الله تعالى فِي قصة الذبيح.