وأنسأته الدين إنساءً: إذا أخرت قضاءه عنه. واسم ذلك: النسيئة، فمعنى قوله: (ننسأها) أي: نؤخرها. ومعنى التأخير في الآية على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يؤخر التنزيل فلا ينزل ألبتَّة، ولا يُعْلَم، ولا يُعْمَل به، ولا يتلى، والمعنى على هذا: ما نؤخر إنزالها فلا ننزِلُها.
الوجه الثاني: أن ينزلَ القرآن فيعمل به ويتلى، ثم يؤخر بعد ذلك، بأن يُنْسخ فترفع تلاوته ألبتّة، فلا يتلى ولا يعمل بتأويله، وذلك مثل ما روينا عن أبي بكر - رضي الله عنه - ومثل ما روي عن زر أن أُبَيًّا قال له: كم تقرؤون الأحزاب؟ قلت: بضعًا وسبعين آية، قال: قد قرأتها ونحن مع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطول من سورة البقرة.
والوجهُ الثالث: أن يؤخر العملُ بالتأويل؛ لأنه نسخ، ويترك خَطه مُثبتًا وتلاوته في أن يُتلى قُرآن. وهو ما حكي عن مجاهد في قوله: (أو ننساها) قال: نُثْبت خطها ونُبَدّل حكمها.
ولا يصح في معنى الآية من هذه الأوجه إلا الأول؛ لأن الثاني والثالث يرجع تأويلهما إلى النسخ، ولا يَحسُن في التقدير: ما نَنْسَخْ من آية أو نَنْسَخْها.
وذُكر وجه رابع، هو أقوى هذه الأوجه، وهو: أن يكون المعنى: نؤخرها إلى وقت ثانٍ، فنأتي بدلًا منها في الوقت المتقدم بما يقوم مقامها، فعلى هذا يتوجّه معنى التأخير.
وأما من قرأ: (نُنسها) فهو منقول من نسي، والنسيان له معنيان:
أحدهما: الترك كقوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] ، أي: تركوا طاعة الله فترك رحمتهم، أو ترك تخليصهم.
والثاني: الذي هو ضد الذكر.