ومثيرو هذه الشبهات يعلمون جيداً أن الإسلام أقر اليهود بعد الهجرة إلى المدينة على عقائدهم، وكفل لهم حرية ممارسة شعائرهم، فلما نقضوا العهود، وأظهروا خبث نياتهم قاتلهم المسلمون وأجلوهم عن المدينة.
ويعلمون كذلك أن النبي (عقد صلحاً سِلْمِيًّا مع نصارى تغلب ونجران، وكانوا يعيشون في شبه الجزيرة العربية، ثم أقرهم عقائدهم النصرانية وكفل لهم حرياتهم الاجتماعية والدينية.
وفعل ذلك مع بعض نصارى الشام. هذه الوقائع كلها تعلن عن سماحة الإسلام، ورحابة صدره، وأنه لم يضق بمخالفيه في الدين والاعتقاد.
فكيف ساغ لهؤلاء الخصوم أن يفتروا على الإسلام ما هو برئ منه؟
إنه الحقد والحسد. ولا شيء غيرهما، إلا أن يكون العناد.
النموذج الثاني:
(يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) .
(إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) .
والآيتان لا ناسخ ولا منسوخ فيهما. بل إن في الآية الثانية توكيداً لما في الآية الأولى، فقد جاء في الآية الأولى:"فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"
ثم أكدت الآية الثانية هذا المعنى: (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) فأين النسخ إذن؟.
أما المنافع في الخمر والميسر، فهي: أثمان بيع الخمر، وعائد التجارة فيها، وحيازة الأموال في لعب الميسر"القمار"وهي منافع خبيثة لم يقرها الشرع من أول الأمر، ولكنه هادنها قليلاً لما كان فيها من قيمة في حياة الإنسان قبل الإسلام، ثم أخذ القرآن يخطو نحو تحريمها خطوات حكيمة قبل أن يحرمها تحريماً حاسماً، حتى لا يضر بمصالح الناس.
وبعد أن تدرج في تضئيل دورها في حياة الناس الاقتصادية وسد منافذ رواجها، ونبه الناس على أن حسم الأمر بتحريمها آتٍ لا محالة وأخذوا يتحولون إلى أنشطة اقتصادية أخرى، جاءت آية التحريم النهائى في سورة المائدة هذه: (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) هذه هي حقيقة النسخ وحكمته التشريعية، وقيمته التربوية ومع هذا فإنه نادر في القرآن. انتهى انتهى {شبهات المشككين، لمجموعة من علماء الأزهر الشريف} ...