والمنسوخ حكماً لا تلاوة هو الآية الأولى، وإن كان ترتيبها في السورة بعد الآية الثانية.
والناسخ هو الآية الثانية، التي حددت عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر ليال، وإن كان ترتيبها في السورة قبل الآية المنسوخ حكمها.
وحكمة التشريع من هذا النسخ ظاهرة هي التخفيف، فقد استبعدت الآية الناسخة من مدة العدة المنصوص عليها في الآية المنسوخ حكمها ثمانية أشهر تقريباً، والمعروف أن الانتقال من الأشد إلى الأخف، أدعى لامتثال الأمر، وطاعة المحكوم به .. وفيه بيان لرحمة الله عز وجل لعباده. وهو هدف تربوى عظيم عند أولي الألباب.
القسم الثاني:
أما القسم الثاني، فقد ذكروا فيه آيات على أن فيها نسخاً وهي لا نسخ فيها، وإنما كانوا فيها حاطبى ليل، لا يفرقون بين الحطب، وبين الثعابين، وكفى بذلك حماقة.
وها نحن نعرض نموذجين مما حسبوه نسخاً، وهو أبعد ما يكون عن النسخ.
النموذج الأول:
(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى) .
(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) .
زعموا أن بين هاتين الآيتين تناسخاً، إحدى الآيتين تمنع الإكراه في الدين، والأخرى تأمر بالقتال والإكراه في الدين وهذا خطأ فاحش، لأن قوله تعالى (لا إكراه في الدين) سلوك دائم إلى يوم القيامة.
والآية الثانية لم ولن تنسخ هذا المبدأ الإسلامي العظيم؛ لأن موضوع هذه الآية"قاتلوا"غير موضوع الآية الأولى: (لا إكراه في الدين) .
لأن قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) له سبب نزول خاص. فقد كان اليهود قد نقضوا العهود التي أبرمها معهم المسلمون. وتآمروا مع أعداء المسلمين للقضاء على الدولة الإسلامية في المدينة، وأصبح وجودهم فيها خطراً على أمنها واستقرارها. فأمر الله المسلمين بقتالهم حتى يكفوا عن أذاهم بالخضوع لسلطان الدولة، ويعطوا الجزية في غير استعلاء.
أجل: إن هذه الآية لم تأمر بقتال اليهود لإدخالهم في الإسلام. ولو كان الأمر كذلك ما جعل الله إعطاءهم الجزية سبباً في الكف عن قتالهم، ولاستمر الأمر بقتالهم سواء أعطوا الجزية أم لم يعطوها، حتى يُسلموا أو يُقتلوا وهذا غير مراد ولم يثبت في تاريخ الإسلام أنه قاتل غير المسلمين لإجبارهم على اعتناق الإسلام.