فَأَضَافَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ وَأَضْمَرَتْهُ أَنْفُسَهُمْ وَنَطَقَتْ بِهِ أَلْسِنَتُهُمْ مِنْ حَسَدِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْبَغْيِ عَلَيْهِ، وَتَكْذِيبِهِ، وَجُحُودِ رِسَالَتِهِ إِلَى أَيْدِيهِمْ، وَأَنَّهُ مِمَّا قَدَّمَتْهُ أَيْدِيهِمْ، لِعِلْمِ الْعَرَبِ مَعْنَى ذَلِكَ فِي مَنْطِقِهَا وَكَلَامِهَا، إِذْ كَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِلِسَانِهَا وَبِلُغَتِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِظَلَمَةِ بَنِي آدَمَ: يَهُودِهَا وَنَصَارَاهَا وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ غَيْرِهَا، وَمَا يَعْمَلُونَ.
وَظُلْمُ الْيَهُودِ كُفْرُهُمْ بِاللَّهِ فِي خِلَافِهِمْ أَمْرَهُ وَطَاعَتَهُ فِي اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ وَبِمَبْعَثِهِ، وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهُ وَهُمْ عَالِمُونَ أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَيْهِمْ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الظَّالِمِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} الْيَهُودَ، يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حِرْصًا عَلَى الْحَيَاةِ فِي الدُّنْيَا وَأَشَدَّهُمْ كَرَاهَةً لِلْمَوْتِ الْيَهُودَ.
وَإِنَّمَا كَرَاهَتُهُمُ الْمَوْتَ لِعِلْمِهِمْ بِمَا لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخِزْيِ وَالْهَوَانِ الطَّوِيلِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا}