من قبلُ فإن ذلك قَبولٌ له وتمسُّكٌ به، فيكون الكفرُ به عند مجيئه نبذاً له كأنه قيل: كتابَ الله الذي جاء به فإن مجيءَ الرسول مُعربٌ عن مجيء الكتاب {وَرَاء ظُهُورِهِمْ} مَثَلٌ لتركهم وإعراضِهم عنه بالكلية مثل بما يرمى به وارءَ الظهر استغناءً عنه وقلّةَ التفاتٍ إليه {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} جملةٌ حاليةٌ أي نبذوه وراء ظهورِهم مُشبَّهين بمن لا يعلمه، فإن أريد بهم أحبارُهم فالمعنى كأنهم لا يعلمونه على وجه الإيقان ولا يعرفون ما فيه من دلائلِ نبوتِه عليه الصلاة والسلام ففيه إيذانٌ بأن علمَهم به رصينٌ لكنهم يتجاهلون أو كأنهم لا يعلمون أنه كتابُ الله أو لا يعلمونه أصلاً كما إذا أريد بهم الكل.
وفي هذين الوجهين زيادةُ مبالغةٍ فِي إعراضهم عما فِي التوراة من دلائل النبوة. هذا وإن أريد بما نبذوه من كتاب الله القرآنَ فالمرادُ بالعلم المنفيِّ فِي قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} هو العلمُ بأنه كتابُ الله ففيه ما فِي الوجه الأول من الإشعار بأنهم مُتيقِّنون فِي ذلك، وإنما يكفُرون به مكابرةً وعِناداً.
قيل إن جيل اليهود أربعُ فرقٍ: ففِرقةٌ آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهلِ الكتاب وهم الأقلون المشارُ إليهم بقوله عز وجل: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} وفِرقةٌ جاهروا بنبذ العهودِ وتعدّي الحدود تمرُّداً وفسُوقاً وهم المعنيُّون بقوله تعالى: {نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم} وفِرقةٌ لم يجاهروا بنبذها لجهلهم بها وهم الأكثرون، وفِرقةٌ تمسكوا بها ظاهراً ونبذوها خُفْيةً وهم المتجاهلون. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 1 صـ 135 - 136}