ولا منافاة بين القولين ، فإن الموضوع في اصطلاح أبي الفرج هو الذي قام دليل على أنه باطل ، وإن كان المحدث به لم يتعمد الكذب بل غلط فيه ؛ ولهذا روى في كتابه في الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع ؛ وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير مما ذكره وقالوا: إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل ، بل بينوا ثبوتَ بعضِ ذلك ؛ لكن الغالب على ما ذكره في"الموضوعات"أنه باطل باتفاق العلماء .
وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع المختلَقَ المصنوع الذي تعمد صاحبُه الكذب ، والكذبُ كان قليلًا في السلف: أما الصحابة فلم يُعرف فيهم - ولله الحمد - من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، كما لم يُعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة ، كبدع الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ، فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفرق (1) .
وأما التابعون فلم يُعرف تعمُّدُ الكذب في التابعين من أهل مكة والمدينة والشام والبصرة ، بخلاف الشيعة فإن الكذب معروف فيهم ، وقد عرف الكذب بعدَ هؤلاء في طوائف .
(1) هذا الكلام الذي اقتطعته: (ولا كان فيهم من قال إنه أتاه الخَضِرُ ، فإن خضر موسى مات كما بُيِّن هذا في غير هذا الموضع ، والخضر الذي يأتي كثيرًا من الناس إنما هو جني تصور بصورة إنسي ، أو إنسيٌّ كذاب ، ولا يجوز أن يكون ملَكًا مع قوله"أنا الخضر"، فإن الملَك لا يكذب ، وإنما يكذب الجنى والإنسي ، وأنا أعرف ممن أتاه الخضر وكان جنيًا مما يطول ذكره في هذا الموضع ، وكان الصحابة أعلم من أن يروج عليهم هذا التلبيس ؛ وكذلك لم يكن فيهم مَن حملته الجن إلى مكة وذهبت به إلى عرفات ليقف بها ، كما فعلت ذلك بكثير من الجُهّال والعُبّاد وغيرهم ، ولا كان فيهم من تسرق الجن أموال الناس وطعامهم وتأتيه به فيظن أن هذا من باب الكرامات كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع) .