ولا يخفى على عارفٍ بهذا الفنِّ أنَّ أكثرَ كتبِ المصطلحِ المتداولة في هذه الأعصر ، لا تقدّمُ لطلّابهِ هذه المطالبَ المذكورة ، ولا أكثرَها ؛ أستثني من ذلك ما ظهر مؤخرًا من بعض الدراسات الجادة الأصيلة النافعة ، وعسى الله أن يجعلَ فيها خيرًا كثيرًا .
إن هذا البيان الذي أسلفتُه لهو برهان على أن من أهم وأولى المطالب العصرية في حياة طلبة العلم الشرعي اليوم: شرحُ اصطلاحاتِ أهل هذا الفن الخطير على وجه التحقيق والتفصيل والتدقيق والتحليلِ، وتبيينُ حقائقِها عندَهم ، وإظهارُ فوارقِها بينَهم، وكشفُ عباراتِهم فيها وإشاراتِهم بها ، واستنباطُ تعلقات مصطلحاتهم بمناهجهم ومسالكهم ، والتنبيهُ على كل - أو معظم - ما وقع لهم في ذلك من التفرد والشذوذ والتنوع والتباين والخلاف ، ونحو ذلك من أنواع التبحر في دراسة مصطلحات المحدثين.
ومن هنا نشأت رغبتي في أن أشارك إخوتي من الباحثين وطلبة علم الحديث فيما كتبوه في هذا العصر في هذا الباب من كتب وبحوث ومقالات علمية ، لتحقيق معاني مصطلحات المحدثين وتقريبها إلى طلاب علمها ؛ وإني لأرجو أن يتقبل الله مني هذا الكتاب بقبول حسن وأن ينفع به كثيرًا ، وأن يكون خطوة واسعة في هذا الدرب البعيد ؛ وفكرةً نافعة في هذا الدرس الجديد أو شبهِ الجديد.
فإن قيل: لقد قال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع في (تحرير علوم الحديث) (1/567-568) في أول مبحث عقده لتفسير طائفة من عبارات الجرح والتعديل: (هذا المبحث معقود لبيان دلالات الألفاظ التي ورد عن السلف من أئمة هذا الشأن بيانُ معانيها ، أو كانت كثيرة الاستعمال شائعةً ، يجدر التنبيه على بعض ما يتصل بها مما تكون له فائدةٌ لكشف أثر استعمالها .