فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 1631

ولهذا كلِّه كان المبتدئ في تعلم هذا العلم الشريفِ لا يجدُ في أكثرِ كتبِ المصطلحِ ما يرفعُ عنه في ابتداء تعلمِه وحشتَه ، أو يسدُّ له في أثنائه حاجتَه ؛ وليس ذلك بغريب ؛ فلقد جاء ذلك الطالبُ المبتدئ إلى هذا العلمِ العظيمِ القديمِ وهو غريبٌ عنه ، بعيدٌ منه ، ما عرف أبوابَه وتقسيماتِه ، ولا أَلِفَ ألفاظَه ولا مصطلحاتِه ، ولا مارس طرائقَ أربابِه ولا تكررتْ عليه أساليبُ أصحابِه ؛ وزدْ على ذلك ما ورِثه عن أهلِ هذا العصر ، من ركاكةٍ في اللغةِ ، وبعدٍ عن رُتبِ الفصاحةِ والبلاغةِ والإيجازِ ونحو ذلك من خصائص القدماء الحافلة بمتانة البيان وبلاغة القول والجارية على طريقة الاختصار وطيِّ الألفاظ في أكثر مقاماتهم ، وذلك الميراث لا ريبَ أضْعفَ منه - أعني من ذلك الطالب المبتدئ - آلةَ الفهم وأمرضَها.

فكيف إذا اجتمع إلى ذلك كلِّه أن لا يُوفَّقَ الطالبُ المشار إليه إلى ملازمةٍ أو مصاحبةٍ لمدرس عارفٍ بالفنِّ ، يأخذ عنه البيانَ والتوجيه ، ويستدله إلى مسالك الرشاد والسداد ، ويستصرخه عند كل مضيق يلج فيه ؛ ومعلوم أنه ليس كلُّ أحد يتهيأ له من يعلمه أصول هذا الفنِّ ومصطلحاتِه ، ويشرحُ له غوامضَه ويَحلُّ له مشكلاتِه ، ويكثر هذا في كثير من ديار المسلمين في هذه الأعصر وأعصرٍ سبقتها .

هذا ما يتعلق بالمبتدئين من طلبة علم الحديث .

وأما الذين هم فوقَ هؤلاءِ ، وهم طالبو التبحرِ والتحرير وقاصدو التحقيقِ والتدقيقِ ، فإنَّ كثيرًا منهم لم يزالوا أولي حاجةٍ إلى من يقرّبُ لهم تفاصيلَ هذه التعريفاتِ ، ويجمع لهم شتاتَها ، ويفسرُ لهم مشكلاتِها ، ويلتقط لهم من تحقيقاتِ أهلِ العلمِ في هذه المسائلِ أصحَّها وأرجحَها وأنفعَها وأجمعَها ، ويستصفي لهم من بطون الكتب زبدتَها ويكفيهم مؤنتَها ، ويطوي لهم الطريق ، ويُسعفهم في مواطن الضيق ، ويأخذ بإيديهم إلى جادّة التمحيص والتلخيص ، ويشير لهم إلى مظانّ الجمع والتفريق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت